مشاهير بـ «التواصل الاجتماعي» يعيدون تدوير الشائعات

    خبراء: نشر الأكاذيب أخطر من «الوباء».. والعقوبة الحبس وغرامة تصل إلى مليون درهم

    صورة

    حذر أكاديميون وقانونيون من تداول شائعات عبر منصات التواصل الاجتماعي، لما لها من أضرار على المجتمع، تفوق أضرار انتشار وباء «كورونا»، لافتين إلى أن القانون يعاقب بالسجن المؤقت، والغرامة التي تصل إلى مليون درهم، كل من نشر معلومات أو أخباراً أو بيانات أو شائعات على موقع إلكتروني، أو أي شبكة معلوماتية، أو وسيلة تقنية معلومات، بقصد السخرية أو الإضرار بسمعة أو هيبة أو مكانة الدولة، أو أي من مؤسساتها.

    وأجمعت فئات متعددة من المجتمع، ضمت: قانونيين، واختصاصيين نفسيين واجتماعيين، وأكاديميين، وموظفين، وطلبة جامعيين، على أن الشائعات عبر الإنترنت تكتسب زخماً بسبب عوامل رئيسة عدة، أهمها: سرعة واتساع نطاق الانتشار عبر الشبكات الاجتماعية، وسهولة تجهيل مصدر الشائعة ومن يقف خلف إطلاقها، خصوصاً مع انتشار الحسابات الوهمية على وسائل التواصل الاجتماعي، وتوافر تقنيات تزييف الصور والفيديوهات، لإضفاء صدقية مزيفة على محتوى الشائعة تساعد على انتشارها، إضافة إلى جهل معظم المتلقين للحقيقة، وعدم وجود مراكز متخصصة لرصد ومكافحة الشائعات وقت الأزمات.وأشاروا إلى أن الأخبار الزائفة والشائعات تتخذ أشكالاً عدة، تشمل المحتوى الملفق الهادف إلى الخداع والأذى، والمحتوى المزور الذي ينتحل هوية المصادر الحقيقية، والمحتوى المضلل الذي يستخدم المعلومات بطريقة مضللة لتحقيق غرض خبيث، عبر التلاعب بالمحتوى، إضافة إلى التهكم أو السخرية التي قد تتسبب، أيضاً، في التضليل.

    وأرجعت أكاديمية ونائب مدير جامعة، الدكتورة سميرة النعيمي، انتشار الشائعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى مسألة إعادة الإرسال، دون النظر أو التفكير في المحتوى، مشيرةً إلى أنه على الرغم من وجود نضج مجتمعي ناتج عن جهود الدولة في التثقيف والتوعية، وقيام الجهات الرسمية بإعلان المعلومات كافة بوضوح وشفافية، فإن البعض ينساق وراء جاذبية السوشيال ميديا، ويعيد نشر صور ومعلومات ورسائل دون التأكد من صحتها.

    وقالت: «من المهم التعامل بالحكمة وتحري مصادر المعلومات مع ملف (فيروس كورونا المستجد)، وأن نتابع التطورات ونتبع الإرشادات والتعليمات من القنوات الرسمية، حتى لا نساعد في نشر شائعات تؤثر في المجتمع والاقتصاد، خصوصاً أن الدولة على أتم الجاهزية، ولديها استراتيجية متكاملة للتعامل مع حالات الطوارئ، كما أن هناك قنوات رسمية وأرقاماً مجانية للسؤال والاستفسار، مثل حسابات وزارة الصحة ووقاية المجتمع، ودائرة الصحة في أبوظبي، وهيئة الصحة في دبي، ومركز أبوظبي للصحة العامة، على وسائل التواصل الاجتماعي، توفر كل المعلومات والإرشادات اللازمة».

    وأضافت النعيمي: «المجتمعات بتكاتفها ووعيها، والالتزام بتوجيهات السلطات المختصة، وإهمال الشائعات المغرضة، تستطيع تجاوز أي تحدٍّ أو محنة بكل هدوء وأقل خسائر، والقضاء على الشائعات يبدأ من الفرد نفسه وذلك بعدم تداولها أو إعادة إرسالها، بجانب تكثيف الحملات التوعوية في المجتمع بخطورة تداول معلومات مجهولة المصدر، ومن أراد أن يسهم في نشر التوعية يجب أن تكون من مصدر رسمي، وتتضمن رابط المعلومة على موقع أو حساب الجهة المسؤولة، ليتسنى التأكد من صحتها، كون الجمهور غير مخول نشر معلومات، والجهات المختصة هي المسؤولة عن ذلك، كما أن القانون يحاسب المخالفين، ومن الجيد استغلال أوقات الفراغ بممارسة الهوايات والقراءة الهادئة والمفيدة وإثراء الأوقات العائلية بكل ما هو مفيد، عوضاً عن متابعة أخبار غير دقيقة أو مغرضة».

    فيما أكد أستاذ العلوم السياسية، الدكتور نصر عارف، أن القنوات الفضائية باتت أكثر قسوة على المجتمعات من شائعات مواقع التواصل الاجتماعي، مشيراً إلى أن جميع النشرات والبرامج في القنوات التلفزيونية تبدأ بحدث عن فيروس كورونا المستجد، وشريط الأخبار كله مخصص لـ«كورونا»، حيث يتم الإعلان عن أي إصابة يتم رصدها في أي دولة، على الرغم من أن أي دولة بها أعداد وفاة يومية، وليس إصابات، جراء حوادث الطرق، أو مرضى القلب أو السرطان، تفوق عشرات الأضعاف من عدد إصابات كورونا.

    وقال: «نحن لا نقلل من فيروس كورونا المستجد، إلا أن التضخيم وإشاعة الرعب بين أفراد المجتمع نتائجهما وخيمة»، لافتاً إلى أن «الشائعات من السهل القضاء عليها من خلال التطبيقات الذكية، حيث يجب حجب أي معلومة خاطئة يتم رصدها على تطبيقات التواصل الاجتماعي».

    وأضاف: «توجد فوضى شديدة جداً في كل العالم، أحدثت شللاً تاماً، وحالة رعب ستؤدي إلى مزيد من المضاعفات، والحل أن يتم رصد هذه الشائعات وتتبعها والقضاء عليها، ولو وصل الأمر لإيقاف تطبيقات بعينها، لأن الأمر وصل إلى استهداف دول ونشر الشائعات عنها».

    فيما أكد أخصائي طب الأسرة في وزارة الصحة ووقاية المجتمع، الدكتور عادل السجواني، أن جزءاً كبيراً من وطنية الفرد وحبه لوطنه، يظهر في أخذه للمعلومة من أهل الاختصاص، وعدم نشر معلومات مغلوطة والحصول على المعلومات الصحيحة من المصادر الرسمية بدولة الإمارات العربية المتحدة، مشيراً إلى أن نسبة الوفيات من فيروس كورونا لا تتعدى 3%، وبالتالي حالة الهلع التي يعيشها البعض ويحاول البعض الآخر تصديرها للناس غير مبررة، إلا أن الحذر وارد، لمنع انتشار الفيروس ومحاصرته، لذا من الضروري عدم الانسياق وراء شائعات مواقع التواصل الاجتماعي.

    من جانبه، قال أستاذ الثقافة والمجتمع بالجامعة الكندية في دبي، الدكتور سيف راشد الجابري، إن «المجتمعات تصاب بمختلف الأوبئة والأمراض على مر العصور، وبعض الناس ينجو وبعضهم يلقى ربه، وفق ما هو مقدر لكل شخص، وعبر التاريخ مرت بالأمم أمراض، وحروب، وأوبئة، وغيرها من المخاطر وانتهت، هذه سنة الحياة ما يبدأ شيء إلا ويزول بعد فترة».

    وأضاف الجابري: «ما نحن فيه اليوم من ظهور فيروس كورونا المستجد، يؤكد أن الشائعات أخطر من الأوبئة على المجتمعات، حيث لم ينتشر هذا الفيروس كمرض بقدر انتشار الشائعات والوهم حوله، فبات الناس مريضة بالوهم وليس بالفيروس، ما زرع الخوف داخلهم وهذا يعود إلى توزيع الشائعات ونشر المقولات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت حديث كل المجالس في المجتمع».

    وحذر من تداول أي أمر بين العامة وغير المختصين دون علم أو فهم، لذا على الناس ألا تشيع المصائب والخوف، مشيراً إلى انتشار برامج التواصل الاجتماعي بين الناس وسيطرتها على حياتهم، حيث يقضون فيها معظم أوقاتهم، وباتوا حالياً لا يتكلمون إلا عن كورونا وأخبار كورونا دون علم أو فهم، وباتت الرسالة تصل في ساعات محدودة إلى مئات الآلاف من الأشخاص، الكل يستلم ويعيد الإرسال دون التحقق من مدى صدق الكلام المكتوب.

    وشدد على أهمية ترك هذا الأمر والاهتمام بأعمالنا وأمورنا الشخصية والعائلية، ومتابعة حسابات الجهات الرسمية المسؤولة عن إدارة هذا الملف فقط، وأخذ الاحتياطات الطبيعية للحفاظ على سلامتنا، ناصحاً الجمهور بعدم الإسهام في تداول وترويج الشائعات، ونشر الخوف والقلق بين أفراد المجتمع.

    فيما حدد اختصاصيون نفسيون واجتماعيون: أحمد السيد، وعلاء عبدالله، ونورا حسن، وخلود حمدي، خمسة أسباب تدفع الأفراد لإعادة نشر محتوى الشائعة، شملت الشعور بالذعر والقلق ما يدفع المتلقي لإعادة نشر الشائعة، والانخراط الشخصي، في حال ترويج الشائعة على أنها تجربة شخصية أو شهادة عيان، وغموض المحتوى ونسبته إلى مصادر رسمية مهمة، حيث يميل الناس لتصديق ما ينسب للشخصيات والجهات المسؤولة أكثر من اهتمامهم بالتفكير في المحتوى نفسه، بالإضافة إلى الجاذبية من خلال تزويد الشائعة بصور أو فيديو إلى جانب النصوص.

    وحذروا من أن مواقع التواصل الاجتماعي باتت «مكبرات للشائعات»، تسهم بشكل كبير في تعظيم نطاق تلك الأكاذيب، حيث يسهم مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي، عبر إعادة تداول الشائعة على أكثر من منصة، بجانب بعض مشاهير التواصل الاجتماعي الذين يعيدون تدوير الشائعات، لأسباب عدة يرجع بعضها للافتقاد لمهارات التدقيق، أو الرغبة في الذيوع، بالإضافة إلى مواقع الأخبار الإلكترونية غير المرخصة أو التي تصدر من خارج الدولة، والتي تسهم في التضليل لتحصد مزيداً من الزيارات لمواقعها.

    فيما أكد المستشار القانوني، منصور المازمي، أن التضخيم في حجم خطورة فيروس كورونا المستجد بالدولة، ونشر معلومات غير موثقة ومن مصادر غير رسمية يؤثران في الاقتصاد، والسياحة، ودرجة الأمان والاطمئنان في المجتمع، حيث يترتب عليه نشر الفزع بين الناس، مشيراً إلى أن «نشر الشائعات بغرض إثارة الخوف أو الهلع مجرم قانوناً، كما أن إعادة تداول الشائعة تعد مشاركة في نشرها، حيث تنص المادة 198 مكرر من قانون العقوبات الاتحادي على أنه يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة من أذاع أخباراً أو بيانات أو شائعات كاذبة أو مغرضة أو بث دعايات مثيرة، إذا كان من شأن ذلك تكدير الأمن العام أو إلقاء الرعب بين الناس أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة».

    بدوره، أشار المستشار القانوني، سالم سعيد الحيقي، إلى أن انتشار الشائعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي تشكل فضاءً واسعاً يرمي فيها الكثيرون سمومهم، عبر تداول الأخبار ونشرها، ظناً من البعض أنهم أصحاب السبق، وتعمد البعض نشر الأخبار أو تحريفها رغم درايتهم الكاملة أنها غير صحيحة، والتي قد تكون سبباً في إشاعة حالة من الهلع والخوف والرعب بين الأشخاص، دفعا المشرع الإماراتي إلى تشديد العقوبة في القانون الاتحادي رقم 5 لسنة 2012، بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، حيث نصت المادة 29 من القانون ذاته على أنه «يعاقَب بالسجن المؤقت والغرامة التي لا تجاوز مليون درهم كل من نشر معلومات أو أخباراً أو بيانات أو إشاعات على موقع إلكتروني أو أي شبكة معلوماتية أو وسيلة تقنية معلومات بقصد السخرية أو الإضرار بسمعة أو هيبة أو مكانة الدولة أو أي من مؤسساتها».

    وشدد الحيقي على أهمية توعية المجتمع بخطورة نشر الشائعات أو تداولها، حيث لا يتهاون القانون في معاقبة كل شخص ارتكب أي جرم بكل القوانين السارية في الدولة، خصوصاً أن الجهات الرسمية هي المعنية بنشر الأخبار التي تخص المجتمع عبر منابرها، وقد قام المشرع الإماراتي بإصدار القانون الاتحادي رقم 14 لسنة 2014، بشأن مكافحة الأمراض السارية، وأعطى وزير الصحة والإدارات التي تختص بالشؤون الصحية الصلاحيات اللازمة، للحفاظ على الصحة العامة في الدولة.

    ووصف المستشار الحيقي مروّج الشائعة بشخص مسموم، يتلوّن كالحرباء، وينفث سمومه في المجتمع، قاصداً الضرر بالبلاد والعباد، وإثارته الاضطراب والفوضى، لافتاً إلى أن المشرع الإماراتي شدد العقوبة على نشر الشائعات، حيث تنص المادة 198 مكرراً من قانون العقوبات الاتحادي رقم 3 لسنة 1987، وتعديلاته بالمرسوم رقم 7 لسنة 2016، على أنه يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة كل من أذاع عمداً أخباراً أو بيانات أو إشاعات كاذبة، كما «يعاقب بذات العقوبة كل من حاز بالذات أو بالوساطة أو أحرز محررات أو مطبوعات أو تسجيلات أياً كان نوعها تتضمن أخباراً أو بيانات أو شائعات كاذبة، إذا كانت معدة للتوزيع أو لاطلاع الغير عليها».

    وتابع: «المشرع الإماراتي أحاط بكل جوانب صور الجريمة، وذلك للحفاظ على الأمن العام والسكينة العامة في الدولة، وشدد العقاب بالسجن الذي لا يقل عن ثلاث سنوات، ولا يزيد على 15 سنة، في حال كان الجاني موظفاً، ومن مهامه بشكل خاص حماية المجتمع أو اقتران الجريمة بالأماكن التي يكون بها جمع كبير من الأشخاص، حيث اعتبرها جناية».


    مركز مكافحة الشائعات

    اقترح قانونيون، واختصاصيو علم نفس واجتماع، وأكاديميون، إنشاء مراكز لرصد ومكافحة المعلومات المضللة والمزيفة، تتبنى طرقاً جديداً ومبتكرة للمواجهة، تواكب تطور أدوات اختلاق الشائعات ونشرها، وذلك من خلال الاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، التي تعتمد على خوارزميات متطورة لتحليل المعلومات ورصد الأخبار المزيفة فوراً وأوتوماتيكياً، والتعقب الرقمي عقب رصد الشائعة وتتبع انتشارها، وتعقب مصدرها، ومحاصرة الشائعات ومنع تداولها عن طريق تزويد الجمهور في الوقت المناسب بالمعلومات الصحيحة، من خلال قنوات الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي المختلفة، والبريد الإلكتروني، والرسائل الهاتفية، فضلاً عن وسائل الإعلام التقليدية، إضافة إلى تبني استراتيجية المواجهة المجتمعية، من خلال إدماج المستخدم نفسه في مواجهة الشائعات، عن طريق نشر الوعي بين المستخدمين، وحثهم على الإبلاغ عن المحتوى المشكوك فيه.

    تحذيرات رسمية

    حذّرت وزارة الداخلية أفراد الجمهور من تداول الشائعات، أو أي معلومات لم تصدر عن الجهات المعنية الرسمية، بشأن فيروس «كورونا المستجد»، داعية إلى ضرورة تحري الدقة، واتباع الإجراءات الوقائية الصادرة عن وزارة الصحة ووقاية المجتمع والهيئات الصحية، وأكدت أنها تشدّد إجراءاتها في ملاحقة مروجي الشائعات بشأن حالات فيروس كورونا داخل الدولة، وتقديمهم للعدالة، محذّرة الأفراد من تعرضهم للمساءلة القانونية، في حال مشاركتهم بترويج هذه الشائعات.

    فيما أهابت دائرة الصحة، في أبوظبي، بالجمهور عدم تداول الشائعات، والتأكد من صدقية المصدر، وأكدت أن الجهات الصحية في الدولة تضع صحة وسلامة جميع أفراد المجتمع في مقدمة أولوياتها، وتتخذ جميع الإجراءات الممكنة، للحد من انتشار فيروس كورونا المستجد، وتوعية المجتمع حول تطورات الوضع الصحي بشكل مستمر، وكلما دعت الحاجة.

    فيما حذرت جمعية الإمارات للمحامين والقانونيين من خطورة إنتاج ونشر الشائعات، التي تهدد أمن واستقرار المجتمع. وأكدت الجمعية أهمية بث رسائل التوعية، وتعزيز الوعي القانوني بخطورة بث الشائعات.

     

    طباعة