أكاديميون أكدوا ضرورة تطوير المناهج واعتماد أدوات تقيس «الفهم»
الذكاء الاصطناعي يختبر «التعلّم الحقيقي» في الجامعات
أكد أكاديميون وأساتذة جامعات أن الذكاء الاصطناعي وضع منظومة التقييم الجامعي أمام اختبار حقيقي، بعدما أصبحت الأدوات التوليدية قادرة على إنجاز أبحاث ومشروعات ومهام أكاديمية معقدة خلال ثوانٍ، ما يجعل جودة الأعمال المقدمة وحدها مؤشراً غير كافٍ إلى امتلاك الطلبة المعرفة والمهارات، ويفرض إعادة هندسة الاختبارات والتكليفات وأساليب قياس التحصيل، للتمييز بين قدرات الطالب الفعلية ومخرجات التكنولوجيا.
وقالوا لـ«الإمارات اليوم» إن التحدي تجاوز مكافحة الغش إلى إثبات التعلّم الحقيقي، مؤكدين ضرورة تطوير المناهج وصيغ الأسئلة، واعتماد أدوات تقيس الفهم والتحليل والتفكير النقدي، وتكشف قدرة الطالب على توظيف المعرفة والتحقق من المعلومات وتبرير قراراته، مع دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم دون أن يحل محل التفكير المستقل.
وأوضحوا أن التحول التقني يثير تساؤلات جوهرية حول موثوقية التقييمات التقليدية، ومدى قدرتها على الفصل بين التحصيل المعرفي والمساعدة الآلية، خصوصاً في التكليفات المنجزة خارج القاعات الدراسية، ما يستدعي إعادة النظر في الأدلة التي تستند إليها الجامعات للحكم على اكتساب الطلبة الكفاءات المستهدفة.
وأشاروا إلى أن تصنيف «بلوم» للأهداف المعرفية، الذي تستند إليه المؤسسات التعليمية في تصميم المناهج والاختبارات، لايزال صالحاً، لكنه يحتاج إلى تطوير آليات تطبيقه في ظل الذكاء الاصطناعي.
ويضم التصنيف في صيغته المنقحة ستة مستويات، هي التذكر، والفهم، والتطبيق، والتحليل، والتقييم، والإبداع، فيما تتركز الإشكالية في إثبات امتلاك الطالب مهارات التفكير العليا، بعدما باتت الأنظمة التوليدية قادرة على محاكاة مخرجاتها.
وقالوا إن التقييم الفاعل ينبغي أن يكشف قدرة المتعلم على شرح منهجية عمله ومناقشة استنتاجاته، وليس الاكتفاء بقبول البحث أو المشروع باعتباره دليلاً تلقائياً على تحقق الأهداف التعليمية.
الحكم المسؤول
وأكد البروفيسور الدكتور ربيع رستم، من جامعة هيريوت وات دبي، أهمية ترسيخ مفهوم «الحكم المسؤول» في التعليم الجامعي، الذي يقوم على فحص الأدلة وتقدير موثوقية المعلومات واتخاذ قرارات مدروسة يمكن الدفاع عنها وتحمل مسؤولية نتائجها، باعتباره أحد المرتكزات الأساسية للتعامل الواعي مع الذكاء الاصطناعي.
وقال إنه طرح إطاراً مفاهيمياً أطلق عليه «VOR»، يجمع ثلاث قدرات مترابطة، هي التحقق من المعلومات، والتنسيق الذكي للموارد، والتأمل الذاتي، بهدف إظهار مساهمة الطالب الفكرية في الأعمال المدعومة بالتكنولوجيا، وتوفير أساس أكثر شمولاً لتقييم تعلمه.
وأوضح أن «التحقق» يتطلب فحص البيانات والمراجع المولدة آلياً وكشف ما تتضمنه من أخطاء، بينما يقوم «التنسيق الذكي» على تحديد المهام التي ينجزها المتعلم بنفسه، وتلك التي يمكن إسنادها إلى الأدوات الرقمية، وإدارة نتائجها بكفاءة، أما «التأمل الذاتي» فيركز على مراجعة خطوات التفكير وتفسير أسباب قبول المخرجات أو رفضها، واستخلاص المعارف المكتسبة من التجربة.
وبيّن أن القدرات الثلاث لا تضيف مستويات جديدة إلى تصنيف «بلوم»، وإنما تتكامل مع مستوياته الستة، وتدعم توظيفها في مختلف التخصصات، ولاسيما المهارات المرتبطة بالتحليل والتقييم والإبداع.
وشدد على أن القيمة الأكاديمية للأفكار المبتكرة والمشروعات المتقدمة ترتبط بسلامة الأسس العلمية التي بُنيت عليها، وحسن اختيار الأدوات المستخدمة، ومدى ملاءمة النتائج للسياق، مؤكداً أن الإبداع لا ينفصل عن جودة الأحكام المصاحبة له والمساءلة عن تبعاتها.
قياس الكفاءات المعرفية
وأكد الخبير الأكاديمي الدكتور أحمد آل علي ضرورة إحداث تحول شامل في تصميم الاختبارات والتكليفات الجامعية، بالتوازي مع تحديث المقررات والتخصصات ومخرجات التعلم، بما يعكس التطورات التقنية ومتطلبات سوق العمل، ويعزز قياس الكفاءات العلمية والعملية بدلاً من الاعتماد المفرط على استرجاع المعلومات.
وقال إن تطوير الأسئلة يستوجب التوسع في المشكلات المركبة والحالات الواقعية والسيناريوهات المتغيرة، التي تتطلب تفسير المعطيات والمقارنة بين البدائل واختيار الحلول المناسبة، بما يتيح اختبار قدرة الطالب على تطبيق المفاهيم في مواقف جديدة، بعيداً عن الأسئلة المباشرة ذات الإجابات الجاهزة.
وأوضح أن المشروعات والتكليفات ينبغي أن تُبنى على مراحل واضحة، تبدأ بتحديد المشكلة وجمع البيانات، ثم تحليلها واختيار الحلول ومناقشة النتائج، مع توثيق مسار الإنجاز وإتاحة فرص للعرض والمناقشة، بما يمنح عضو هيئة التدريس تصوراً أدق عن تطور أداء الطالب وإسهامه في العمل.
ودعا إلى تبني أدوات قياس متقدمة، أبرزها الاختبارات التكيفية الرقمية التي تعدّل مستوى صعوبة الأسئلة وفق أداء المتعلم، والمحاكاة العملية التي تختبر التعامل مع مواقف تحاكي الواقع المهني، وملفات الإنجاز الإلكترونية التي ترصد نمو الكفاءات، إلى جانب توظيف التحليلات التعليمية لتحديد مواطن القوة والضعف وتوجيه التدخلات الأكاديمية المناسبة.
وأكد أهمية دمج تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المناهج وفق طبيعة كل تخصص، وتدريب الطلبة على استخدامها في البحث والمحاكاة ومعالجة البيانات وحل المشكلات، مع تطوير قدراتهم على تقييم نتائجها، مشيراً إلى أن نجاح هذا التوجه يتطلب تأهيل أعضاء هيئة التدريس لإعداد أنشطة واختبارات تتناسب مع بيئات التعلم الحديثة.
ضوابط مؤسسية
وأكد عميد الخدمات الأكاديمية بالجامعة القاسمية، الدكتور بسام المكاوي، ضرورة إرساء إطار مؤسسي ينظم الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في الأعمال الجامعية، ويحدد الاستخدامات المشروعة والمحظورة، بما يصون النزاهة الأكاديمية ويحقق العدالة وتكافؤ الفرص، ويمنع احتساب المحتوى المولد آلياً باعتباره جهداً شخصياً خالصاً للطالب.
وقال إن الجامعات مطالبة بوضع سياسات تفصيلية تراعي أهداف المقررات وطبيعة المهام، وتلزم الطلبة بالإفصاح عن الأدوات المستخدمة وحدود مساهمتها، مع اعتماد معايير معلنة لتقدير الأعمال المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتوضيح الالتزامات الأكاديمية منذ بداية الدراسة.
وأوضح أن الحوكمة الفاعلة تستلزم اتساق إجراءات التقييم بين الكليات والأقسام، وتزويد أعضاء هيئة التدريس بإرشادات للتعامل مع المحتوى المولد آلياً، إلى جانب إقرار آليات منصفة للتحقيق في المخالفات دون الاعتماد على نتائج برامج الكشف الآلي وحدها لإثبات التجاوزات.
وأشار إلى أهمية حماية مصداقية المؤهلات الجامعية عبر التأكد من اكتساب الخريجين الكفاءات الأساسية المرتبطة بتخصصاتهم، ولاسيما المهارات المهنية التي قد يترتب على ضعف إتقانها تأثير مباشر في سلامة الأفراد أو جودة الخدمات.
وشدد على أن وضوح المسؤوليات، وتوحيد الممارسات، وتوفير الإرشاد الأكاديمي وقنوات التظلم، تمثل ضمانات ضرورية لبناء منظومة متوازنة تتيح الاستفادة من التكنولوجيا وتحفظ حقوق الطلبة والثقة في نتائج التقييم.
5 تحولات في التقييم الجامعي
حدد الأكاديميون خمسة تحولات رئيسة لمواكبة الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي، تتمثل في الانتقال من تقييم المنتج النهائي إلى متابعة مراحل الإنجاز، ومن استرجاع المعلومات إلى التحقق من صحتها، ومن الاقتصار على الاختبارات والتكليفات المكتوبة إلى تنويع وسائل القياس، ومن الاستخدام غير المعلن للأدوات الذكية إلى الإفصاح المنظم عنها، ومن تقدير الإبداع بمعزل عن سياقه إلى ربطه بالحكم المسؤول وتقدير عواقب القرارات، وخلصوا إلى أن حماية مصداقية التعليم الجامعي تتطلب تجاوز التركيز على اكتشاف المحتوى المولد آلياً، نحو بناء منظومة تقيس كفاءة المتعلم وتتيح الاستفادة المنضبطة من التكنولوجيا، من دون التنازل عن المسؤولية الفكرية والأكاديمية.
وأكدوا أن تطور قدرات الذكاء الاصطناعي لا ينقل مسؤولية المعرفة والقرار من الإنسان إلى الآلة، وأن القيمة الحقيقية للتعليم تكمن في امتلاك الطالب القدرة على فهم الإجابات ونقدها وإثبات صحتها لا مجرد الحصول عليها.
• 3 قدرات تعزز موثوقية التقييم الجامعي، تشمل التحقق من المعلومات، والإدارة الذكية للموارد، والتأمل الذاتي في القرارات.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news