أكاديميون وتربويون: القرار يحوّل وقت الشاشة إلى فرص للتعلم

بعد تنظيم وصوله إلى «التواصل».. 4 مسارات تُشكّل علاقة الطفل بالعالم الرقمي

صورة

مع اقتراب موعد بداية العام الدراسي الجديد، في ظل تطبيق قرار تنظيم وصول الأطفال إلى منصات التواصل الاجتماعي، رأى أكاديميون وتربويون أن المرحلة المقبلة ستعيد تشكيل حياة الطلبة وعلاقتهم بالعالم الرقمي، عبر أربعة مسارات رئيسة تتمثّل في دعم صحتهم النفسية والاجتماعية، وتعزيز التركيز والتعلم، وتوسيع مساحة العلاقات والأنشطة الواقعية، وبناء وعي ومهارات رقمية أكثر مسؤولية، وأكدوا أن نجاح القرار لا يرتبط بالحد من الاستخدام فقط، وإنما بقدرة الأسرة والمدرسة على توفير بدائل جاذبة وآمنة، وتحويل وقت الشاشة إلى فرص للتعلم والتواصل والنشاط.

وكان مجلس الوزراء، برئاسة صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، أصدر قراراً بشأن تنظيم وصول الأطفال إلى منصات التواصل الاجتماعي، في خطوة تعكس توجه الدولة نحو ترسيخ نموذج متقدم لحماية الطفل في الفضاء الرقمي، وتعزيز منظومة السلامة الرقمية.

وجاء القرار في ظل توسع الأطفال في استخدام منصات التواصل الاجتماعي وما يرتبط بذلك من تحديات ومخاطر رقمية متزايدة، تشمل التعرض للمحتوى غير المناسب، والتفاعل غير الآمن، وجمع البيانات الشخصية، وأنماط الاستخدام المفرط، وقال أكاديميون وتربويون، إن توجه الدولة نحو تقييد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 15 عاماً، يتجاوز قرار الحد من وقت الشاشة، ليفتح نقاشاً أوسع حول صحة الأطفال النفسية والاجتماعية وسلامتهم الرقمية، ودور الأسرة والمدرسة في مواكبة هذا التحول، خصوصاً أن الابتعاد عن المنصات قد يمنح المراهقين مساحة أكبر للتعلم والتواصل الواقعي، ويحد من مخاطر التعرض للمحتوى الضار، والتنمر، والمقارنة الاجتماعية، مشددين على أن نجاح القرار لا يعتمد على الحظر وحده، بل على الحوار والتوعية وتوفير بدائل آمنة، بما يجعل العام التربوي المقبل فرصة لإعادة رسم علاقة أكثر توازناً بين الأطفال والمراهقين والعالم الرقمي.

التفاعل المباشر

وتفصيلاً، رأى الاختصاصيون الاجتماعيون، محمد الدرع ومنال حموي وغادة صبيح، أن تقليل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن ينعكس إيجاباً على تركيز الطلبة وانتباههم داخل الصف، ويمنحهم وقتاً أكبر لإنجاز واجباتهم والمشاركة في الأنشطة التعليمية، خصوصاً أن الاستخدام المفرط للمنصات قد يؤثر في قدرتهم على التركيز لفترات طويلة، وقد يسهم تقليص الوقت الذي يقضونه أمام الشاشات في تحسين أدائهم الأكاديمي، بشرط أن يُستثمر الوقت المتاح في أنشطة مفيدة، مثل القراءة والرياضة والفنون والأنشطة المدرسية، بما يوفر للطلبة بدائل حقيقية وجاذبة بعد انتهاء اليوم الدراسي، بدلاً من وجود فراغ لديهم قد يدفعهم إلى البحث عن وسائل أخرى لقضاء الوقت، وذكروا أن القرار قد يُعزّز التفاعل المباشر بين الطلبة، ويدعم بناء علاقات اجتماعية أكثر واقعية، لكنه يحتاج في المقابل إلى مراعاة احتياجات بعض الطلبة الذين يعتمدون على المنصات الرقمية في التواصل مع أصدقائهم أو الذين يجدون صعوبة في التفاعل المباشر، لافتين إلى أن تطبيق القرار يتطلب تعاوناً واضحاً بين المدرسة والأسرة، ووضع آليات للتوعية والمتابعة، إلى جانب سياسات مدرسية واضحة للتعامل مع استخدام المنصات خلال اليوم الدراسي، إضافة إلى توحيد الرسائل بين المنزل والمدرسة، إذ يصعب تحقيق نتائج ملموسة إذا كانت المدرسة تشجع على الاستخدام المنضبط، بينما يظل الاستخدام مفتوحاً في المنزل، ولفت المعلمون محمد صفوان ومصطفى كلده وأيمن خياط، إلى أن وسائل التواصل لا تخلو من فوائد تعليمية، إذ توفر محتوى معرفياً ومصادر يمكن الاستفادة منها في التعلم، ما يستدعي التمييز بين الاستخدام الترفيهي والاستخدام التعليمي الهادف، وتوفير بدائل آمنة للمحتوى والمجموعات التعليمية التي قد يعتمد عليها الطلبة، كما ينبغي مراعاة الفروق بين الطلاب وعدم افتراض أن تأثير القرار سيكون متساوياً على الجميع، مع العمل على تعزيز مهاراتهم الرقمية تدريجياً، وتعليمهم حماية الخصوصية، وتقييم المحتوى، وإدارة وقت الشاشة، والتعامل المسؤول مع المنصات، بحيث يكون الهدف النهائي إعدادهم لاستخدام وسائل التواصل بوعي ومسؤولية عندما يصلون إلى السن المسموح لهم باستخدامها، وليس مجرد منعهم منها.

خطوة وقائية

من جانبها، قالت رئيسة قسم علم النفس في جامعة ميدلسكس دبي، الدكتورة أنيتا كاشي شريفاستافا: «يسهم تقييد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 15 عاماً في دعم صحتهم النفسية والاجتماعية، حيث تُعدّ مرحلة المراهقة المبكرة فترة مملوءة بالفرص والتحديات، نتيجة التغيّرات الكبيرة في طريقة التفكير والمشاعر والعلاقات الاجتماعية»، وأضافت: «من الطبيعي أن يتأثر المراهقون بما هو رائج، وأن يشاركوا الإعجابات، وينضموا إلى مجموعات، أو يأخذوا النصائح التي يرونها عبر الإنترنت من دون تفكير كافٍ، وهذا قد يعرضهم لمشكلات، مثل التنمر الإلكتروني أو السلوكيات غير المناسبة، لذلك فإن تقييد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 15 عاماً، يمكن أن يكون خطوة توعوية ووقائية».

وتابعت: «كما قد يمنحهم التقييد فرصة لخوض تجارب واقعية بدلاً من ربط تقديرهم لذاتهم بعدد الإعجابات، وتشمل الاستفادة تطوير مهارات التواصل المباشر، بما في ذلك فهم لغة الجسد والإشارات غير اللفظية، وتحسن النوم، وزيادة الوقت المخصص للهوايات التي تحتاج إلى تركيز، بما ينعكس بشكل إيجابي على صحتهم النفسية والجسدية والاجتماعية، كما يوفر لهم حماية أكبر من المحتوى العنيف أو الجنسي أو المضلل».

وأكدت أهمية أن يشرح الوالدان القرار لأبنائهما بطريقة تجعلهم يشعرون بالدعم لا بالتقييد، مشيرة إلى أن «المراهقين يرغبون في أن يُعاملوا كشباب ناضجين، ما يجعل الحوار المفتوح والاستماع إلى آرائهم ومشاعرهم أمراً أساسياً، ومع ارتباط وسائل التواصل الاجتماعي بجزء كبير من حياتهم اليومية، قد لا يكون تقليل استخدامها سهلاً، لذلك من المهم أن يوضح الوالدان أسباب القرار، وأن يتقبلا مشاعر الرفض أو الإحباط، باعتبارها ردود فعل طبيعية، مع شرح آثار الاستخدام المفرط للمنصات على الصحة النفسية والجسدية والعلاقات الاجتماعية».

السلامة الرقمية

ووصفت محاضرة أولى في التربية، الدكتورة يسرى عثمان، وضع حد أدنى للعمر لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي بأنها خطوة مهمة نحو تعزيز السلامة الرقمية، تدفع الوالدين والمدارس إلى مراجعة استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي: ما الذي يسمحون به، وما الذي يمنعونه، ومدى متابعتهم للأطفال، وما التطبيقات التي يستخدمونها أو يشجعونهم على استخدامها، خصوصاً أن مجرد تطبيق الحظر، يدفع الجميع إلى التفكير بشكل أكبر في هذا الموضوع، مشددة على أن نجاح القرار يرتبط أيضاً بجانب عملي مهم، يتمثّل في ضمان دقة وفاعلية آليات التحقق من العمر، بما يمنع الأطفال من التحايل عليها أو تجاوزها، ويتطلب ذلك نظاماً موثوقاً يحقق الهدف المنشود، مع الحفاظ في الوقت نفسه على خصوصية الأطفال، وعدم جمع بياناتهم إلا بالقدر الضروري.

وأكدت أن السياسات الجديدة تدعم الدور الذي ينبغي أن تقوم به الأسر والمدارس، إلى جانب التشريعات، لضمان الاستخدام الآمن والمسؤول، بحيث لا يقتصر الأمر على متابعة استخدام المراهقين لوسائل التواصل الاجتماعي، بل يشمل أيضاً الحوار معهم حول سبب وجود هذا الحظر، وهذا يعني أن على الأسر والمدارس تقديم نموذج جيد للاستخدام المسؤول والأخلاقي، وحتى بالنسبة للمراهقين فوق سن 15 عاماً، الذين سيخضعون لضوابط أخف بدلاً من الحظر الكامل، ما يُعدّ فرصة للوالدين والمدارس لتعليمهم كيفية استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بطريقة مناسبة ومسؤولة.

وبيّنت إمكانية تحقيق الوالدين والمدارس التوازن بين حماية الأطفال والاستفادة من الفرص التعليمية التي توفرها هذه المنصات عبر اختيار مقاطع فيديو مناسبة للأطفال من وسائل التواصل الاجتماعي، وعرضها بعد اختيارها ومراجعتها أولاً، وإيجاد تطبيقات تعليمية تقدم محتوى مفيداً وتعليماً حقيقياً.

عين ناقدة

وذكرت محاضرة أولى في الصحافة والإعلام في جامعة ميدلسكس دبي، الدكتورة روتا فايديا، أن الأطفال يحتاجون إلى فهم أن منصات التواصل الاجتماعي مصممة لجذب انتباههم واستمرار استخدامها لأطول وقت ممكن، ويشمل الوعي الإعلامي والوعي بالمنصات تعليمهم كيف تؤثر الخوارزميات في المحتوى الذي يظهر لهم، وكيف يتغيّر هذا المحتوى بناء على تفاعلاتهم، وأن الصور والحسابات التي يرونها عبر الإنترنت لا تعكس الواقع دائماً، مشددة على أن هذا الفهم يساعد الأطفال والشباب على التعامل مع المحتوى الرقمي بعين ناقدة، بدلاً من التأثر به من دون تفكير.

وقالت: «يمكن للوالدين دعم وعي أبنائهما بالمنصات من خلال حوارات بسيطة ومفتوحة في المنزل حول ما يرونه على الإنترنت، بينما يمكن للمدارس تقديم جلسات منظمة عن الخوارزميات والمحتوى المنتقى وأساليب جذب الانتباه والمعلومات المضللة والاستخدام المسؤول للمنصات، كما تساعد هذه الجهود الأطفال على تطوير الوعي والتفكير النقدي الذي يحتاجون إليه لاستخدام المساحات الرقمية بشكل مسؤول».

وشددت على أهمية تعريف الأجيال المقبلة بأن الاستخدام المسؤول يعني فهم وجود تبعات على ما نفعله عبر الإنترنت، وأن التعامل في العالم الرقمي يجب أن يقوم على القِيَم نفسها التي نطبقها في حياتنا اليومية، مثل الاحترام والتعاطف، واللطف، والمسؤولية، والمساءلة، وتعليمهم كيفية التعامل مع المحتوى بوعي، وتجنب نشر المعلومات المضللة، واحترام خصوصية الآخرين، والتعرّف إلى المحتوى الضار أو الذي يحاول التأثير فيهم بطريقة غير سليمة، وأن يستخدموا المنصات لبناء علاقات حقيقية وذات معنى، بدلاً من البحث المستمر عن الإعجابات أو مقارنة أنفسهم بالآخرين.

وأشارت إلى أن المهارات الرقمية التي ينبغي أن يتعلمها الأطفال قبل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مستقل، تتمثّل في كيفية حماية خصوصياتهم، واستخدام كلمات مرور آمنة، والتعرّف إلى المعلومات المضللة وعمليات الاحتيال، وفهم تأثير الخوارزميات، وإدارة الوقت الذي يقضونه أمام الشاشات، والتواصل باحترام عبر الإنترنت، ومعرفة معنى البصمة الرقمية، كما ينبغي أن يتعلموا تقييم المحتوى بشكل نقدي، والتعرّف إلى الأساليب التي تستخدمها المنصات لجذب انتباههم، ومعرفة كيفية الإبلاغ عن المحتوى الضار أو حظر الحسابات أو طلب المساعدة عند المرور بتجارب سلبية على الإنترنت، حيث تساعدهم هذه المهارات على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بثقة ووعي ومسؤولية.


المحتوى والوقت والمتابعة

 

صورة تعبيرية مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي.

أفادت هيئة أبوظبي للطفولة المبكرة بأن الأسر قد تحتاج إلى إعادة التفكير في كيفية ووقت استخدام الأطفال للأجهزة الرقمية، عبر تحديد المحتوى أولاً، وتحديد وقت واضح للاستخدام، مع المتابعة والتوجيه، خصوصاً أن استخدام الشاشات قد يصبح جزءاً من الروتين اليومي للطفل من دون أن نشعر، لكن التغييرات البسيطة في كل يوم يمكن أن تساعد في تحقيق توازن أكبر، مشيرة إلى أن أنشطة بسيطة، مثل الرسم والقراءة واللعب في الخارج، أو الاستمتاع بأنشطة مع الأصدقاء، يمكن أن تمنح الأطفال فرصاً أكبر للحركة، والتواصل، والاستكشاف.وبيّنت أن هناك طرقاً للتأكد من عمر الطفل، تشمل الهوية الرقمية الحكومية، أو التحقق من الهوية، أو المطابقة البيومترية، أو تقدير العمر باستخدام الذكاء الاصطناعي، حيث يتم قبول الاكتفاء بإدخال العمر ذاتياً.

 

تويتر