أين كان والداي؟! - الإمارات اليوم

آراء

أين كان والداي؟!

ليلى الهياس نهائي

ها أنا ذا قبل سنين عدة، «أحمد»، طالب في الصف التاسع، قمة في النشاط والحيوية، محبوب من قبل العائلة والمعلمين، أحب كرة القدم وأمارسها مرتين أسبوعياً، وأحب مادة العلوم. وكان طموحي أن أغدو أستاذاً جامعياً في المستقبل.

تعرفت عليه في يوم مشؤوم من حياتي، اسمه «علي». نقل من مدرسة أخرى تأديبياً، ولم يعرف أحد السبب وراء ذلك، لم يقترب منه أحد سواي، وصرنا صديقين!

أعجبت بجرأته، ومغامراته المشوقة والخطرة التي كان يقصها عليّ، فهو يستمتع بقيادة السيارة خلسة دون علم والديه، وبسرعة جنونية، ويحب تجربة الكثير من الأشياء مع شلته. وبعد أن عرفني على تلك الشلة، التي يعتبر هو محركها الرئيس، ابتعدت شيئاً فشيئاً عن أصدقائي في المدرسة والحي، وعن هوايتي المحببة، كرة القدم، وتقلص الوقت الذي كنت أقضيه مع أسرتي، وانخفضت معدلاتي الدراسية من جيد جداً في أغلب المواد إلى جيد، ومقبول في أكثرها.

وبعد ضغط كبير من شلة السوء، بدأت بتدخين أول سيجارة، وتطور الموضوع بعدها إلى المدواخ.

كان الأمر غريباً نوعاً ما، ولم أتقبله في البداية، وتمنيت لو أخبر أمي، لكنها دوماً مشغولة، وسوف يجن جنونها لو علمت بموضوع التدخين. وفكرت في محادثة أبي، وإخباره بمخاوفي، كصديق، لكنني أعلم أنه لن يصغي إليّ، بل سيلومني وستبدأ سلسلة العقوبات والحرمان.

كما خفت لو تحدثت أن أنفى من شلة السوء لعدم التزامي بعاداتها. سوف يعتبرونني جباناً، ويصفونني بـ«الياهل»، ما دفعني إلى الاستمرار معهم.

لكن أين كان والداي؟ لماذا لم يستشعرا التغييرات التي طرأت على سلوكياتي وعاداتي؟ لماذا لم يسألا نفسيهما أو حتى يسألاني: أين تقضي وقتك؟ وما سبب ابتعادك عن ممارسة لعبة كرة القدم. لماذا لم يشعرا بغيابي؟ أو يشعراني بالأمان والثقة والاحتواء كي ألجأ إليهما؟

وماذا عن مدرستي، ومعلميّ؟ لماذا لم يستوقفهم تدني مستواي العلمي، ويوجهوني أو حتى يبلغوا والدي بخصوص هذا الأمر؟ وماذا عن علي وبقية أفراد الشلة؟ أين أولياء أمورهم؟ ولماذا لم يتم احتواؤهم أو توجيهم من المحيطيين بهم؟ أسئلة كثيرة تطاردني، لكن لا توجد لها إجابات سهلة.

مؤشرات كثيرة مثل تغيبي عن المنزل، عزوفي عن هوايتي المفضلة، تدني تحصيلي الدراسي، وطلبي المزيد من المال لشراء السجائر، وفي ما بعد «العدة اللازمة للمدواخ»، متعذراً بحاجتي لشراء وجبة غذائية خلال الوقت الذي أقضيه للاستذكار مع شلة الظلام!

مؤشرات لو أدركها والداي في بادئ الأمر، أو المحيطون بي في مدرستي، أو حتى زملائي، لتمكنوا من التدخل المبكر لمعالجة الكثير من المشكلات التي واجهتها، وتورطت فيها. وكان أخطرها تعاطي المواد المخدرة، التي كانت بداية لإدماني عليها.

alhayyas@gmail.com

طباعة