أبرزها السيارة والسائق والخادمة للمطلقة الحاضنة.. وقانوني: دخل الأب وملاءته المالية يحكمان قيمة النفقة
طلبات «تكميلية» في دعاوى نفقة تثير نزاعات بين مطلقين
شهدت أروقة محاكم الأسرة، أخيراً، تحولاً في طبيعة النزاعات بين المطلقين في دعاوى النفقة، حيث لم تعد المطالبات تقتصر على الحقوق التقليدية المتعارف عليها كالنفقات الأساسية ومؤخر الصداق، بل امتدت إلى أحقية المطلقة الحاضنة في سيارة وسائق وخادمة، وغيرها من الأمور التكميلية.
وتكشف الأحكام القضائية، الصادرة في هذا الشأن، عن معيار ثابت يتبعه القضاء لحسم هذه النزاعات، يرتكز أساساً على السعة المالية للمطلق (يسراً وعسراً)، والمستوى الاجتماعي للأسرة.
وفي هذا السياق، استجابت إحدى محاكم الدولة في قضية لطلب مطلقة بزيادة نفقة أبنائها، وتوفير خادمة لهم مع تحمل راتبها ومصروفات إقامتها، إضافة إلى إلزام الأب بسداد فواتير الماء والكهرباء والإنترنت للمسكن، وجاء هذا الحكم بعد ثبوت «يسر حال الأب» وتقاضيه راتباً عالياً يسمح بتغطية هذه المصروفات، إلى جانب ثبوت أن الحاضنة ممن يُخدم في أهلها.
وعلى النقيض من ذلك، قضت محكمة أخرى في دعوى أخرى برفض طلبات مطلقة تضمنت توفير سيارة وسائق وخادمة وأجرة مسكن مرتفعة، وأكدت المحكمة في حيثيات رفضها أن الحالة المالية للمطلق لا تتسع لهذه المطالبات.
وبينت حيثيات قضايا أخرى نزاعات بين مطلقين حول مستوى تعليم الأبناء، إذ تختار حاضنات مدارس خاصة وأجنبية ذات مصروفات دراسية عالية، لإلحاق أبنائهن بها، الأمر الذي يقابل بالاعتراض من جانب الآباء، إذ يرون أنه يمكن أن يحصل الأبناء على تعليم جيد في المدارس الحكومية أو مدارس خاصة ذات مصروفات تناسب إمكاناتهم المالية.
ورفضت المحكمة الاتحادية العليا طعن مطلقة ضد حكم رفض إلزام مطلقها بسداد الرسوم الدراسية لابنهما في مدرسة خاصة، مبينة أنه إذا رفض الأب إلحاق ولده بمدرسة خاصة فإنه لا يلزم بسداد الرسوم التي سددتها مطلقته طالما أن إمكانية تعليمه في المدارس الحكومية دون رسوم قائمة.
وأكدت حق ولي النفس في تحديد المدارس التي سيلتحق بها أبناؤه في جميع الأحوال، حكومية أو خاصة.
من جانبه، أكد المستشار القانوني، الدكتور يوسف الشريف، أن النفقات والأجور المترتبة على الطلاق وإثبات حضانة الأولاد للأم تتحدد على أسس أهمها ثبوت الملاءة المالية للأب (اليسار والإعسار) وهذا هو الضابط الأساسي لكل أحكام النفقات والأجور الأسرية وفقاً لقانون الأحوال الشخصية الاتحادي.
فإذا ثبت أن الأب «موسر» أي ذو دخل مرتفع وثراء ظاهر وذلك من واقع ما يقدم من إثباتات أو ما تسفر عنه التحريات التي تطلبها المحكمة فإنها تلزمه بتوفير الخادمة، والسائق، والمدارس الخاصة، وغير ذلك مما كان يوفره لأولاده من متطلبات وقتما كانت الزوجية قائمة، لأن النفقة تُقدر بحسب يساره لتأمين حياة كريمة لأولاده لا تختلف كثيراً عما كانوا عليه قبل الطلاق.
أما إذا كان الأب «معسراً» أي محدود الدخل، أو عليه التزامات ومديونيات، فلا تكلفه المحكمة بما لا يطيق، وتقتصر الأحكام هنا على الضروريات (السكن الأساسي، والمأكل، والملبس، والتعليم الحكومي أو الخاص ذو الكلفة المعقولة)، عملاً بالقاعدة الشرعية والقانونية: «لا يُكلف الله نفساً إلا وسعها».
ولفت الشريف إلى أن المحاكم تعتمد مبدأ «استقرار حياة المحضون» إذا أثبتت الأم الحاضنة بالوثائق والمستندات (عقود المدارس السابقة، وإقامات العمالة المساعدة السابقة باسم الأب، والفواتير المثبتة لنمط الحياة وأن الأولاد كانوا يعيشون في هذا المستوى الرفيع أثناء قيام الزوجية)، فإن المحكمة تتجه لإلزام الأب بالاستمرار في دفعها حتى لا يتأثر الأبناء نفسياً واجتماعياً بواقعة الطلاق التي لا ذنب للأولاد فيها.
وأشار إلى أن المحكمة في جميع الأحوال تنظر إلى مدى مشروعية الطلب، فمثلاً توفير الخادمة والسائق يُلزم بهما الأب إذا كان عدد الأطفال كبيراً، أو إذا كانت الأم عاملة ولا تستطيع التوفيق بين عملها ورعايتهم وتوصيلهم للمدارس، أو إذا كان للأولاد متطلبات خاصة (أصحاب همم أو بينهم مريض مثلاً).
وكذلك الأمر بالنسبة لطلب فواتير الإنترنت والمنصات التعليمية، فمع التحول الرقمي في منظومة التعليم بالدولة بات «الإنترنت المنزلي» يُصنف قضائياً كأداة تعليمية أساسية لا غنى عنها، لذا باتت المحاكم تلزم الآباء بفواتيره كجزء من نفقة التعليم والتابع للسكن.
أما التعليم الخاص والمدارس الأجنبية فإنه إذا كان الأولاد مسجلين بالفعل في هذه المدارس قبل الطلاق، فيُلزم الأب بالاستمرار، أما إذا أرادت الأم نقلهم من مدرسة حكومية أو عادية إلى مدرسة دولية باهظة الثمن بعد الطلاق دون موافقة الأب، فالمحكمة ترفض ذلك في الغالب لأنه يعتبر من قبيل تكبيد الأب ما لم يكن يتكبده من قبل.
وأكد أن المحكمة لها سلطة تقديرية واسعة في أحكام النفقات والأجور في ضوء ما يثبت أمامها من حقيقة دخل ويسار أو إعسار الأب (عبر كشوف الحسابات البنكية، وملكية العقارات، والراتب الإجمالي، والرخص والمركبات والأسهم وغيرها) ومقارنتها بالطلبات المقدمة من الأم قبل إصدار الحكم النهائي، مع الوضع في الاعتبار حرص المحاكم على ألا يتحول «المستوى الاجتماعي» إلى وسيلة «للتعنت»، وفي الوقت نفسه ترفض بتاتاً «بخل» الآباء الموسرين الذين يحاولون التنصل من التزاماتهم تجاه فلذات أكبادهم بعد الطلاق.
وقال إن مثل هذه المطالبات المستحدثة في محاكم الأسرة بالدولة تعكس مواكبة القضاء للتطور الحضاري والتكنولوجي الذي يعيشه المواطنون والمقيمون في الدولة، فالإنترنت والخادمة والسائق لم تعد وسائل «رفاهية مفرطة» في مجتمع متسارع، بل أصبحت من مقومات استقرار الأسرة، ويبقى «ميزان العدالة» بيد القضاء الذي يزن كل حالة بميزان قوامه مصلحة الطفل أولاً في حدود قدرة الأب المالية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news