هل يمكن إثبات الخطأ الطبي بعد دفن المتوفى؟

يقول قارئ إنه "أخذ والده لمستشفى خاص، للكشف عليه من وعكة بسيطة، وهناك تم التعامل مع حالته، وبعد دخوله المستشفى بأيام، قال الأطباء إنه أصيب بفشل كلوي"، معتقداً أن "المستشفى أعطاه دواء بالخطأ، لأن والده لم يكن يعانى أي شيء في الكلى قبل دخوله المستشفى".

وتابع أن "والده خضع لعملية غسيل الكلى، ولكنه لم يتحمل وتوفاه الله"، مضيفاً أن "المصيبة أن المستشفى رفض تسليمنا جثة والدنا لدفنها حتى نسدد فاتورة المستشفى، وقمنا مضطرين لسدادها حتى نحسن مثواه".

ويسأل القارئ: هل من حق المستشفى الامتناع عن تسليم الجثة على ذمة الفاتورة؟ وهل يمكن لنا أن نثبت الخطأ الطبي بعد أن تم دفن الوالد؟

من جانبه، يقول المستشار القانوني الدكتور يوسف الشريف إن "هذه المشكلة جد خطيرة ويمكن كثرت في هذه الآونة من بعض المستشفيات الخاصة التي تعتبر مرض الناس تجارة يتربحون منها من دون مراعاة لحرمة أجسادهم أحياءً وأمواتاً ناسين أو متناسين أن مهنة الطب من أعظم المهن ورسالة انسانية قبل أن تكون مهنة ومصدر رزق، وما نمر به هذه الأيام من وباء خير دليل وبرهان على عظم هذه المهنة وظهور الأطقم الطبية كخط دفاع أول في هذه المحنة، ولكن عزائنا أن في كل مكان وكل مجال الكثير الصالح والقليل الطالح الذي يجب الأخذ على يديه لينال وبال أمره وجزاء ما يعبثون".

ومن الناحية القانونية، يقول الشريف، إن هذه المشكلة لها أكثر من جانب، أولا مدى أحقية المستشفى في الامتناع عن تسليم جثة المتوفى لأهله على ذمة الفاتورة؟، مجيبا "بالطبع لا يجوز للمستشفى احتجاز جثة المتوفى والامتناع عن تسليمها لذويها لدفنها إلا إذا كانت الوفاة بشبهة جنائية كما لو تم احضار شخص للمستشفى وبإجراء الكشوفات والفحوصات تبين أن هناك شبهة جنائية كحالة تسمم مثلاً أو قتل أو ما شابه ذلك".

أما الامتناع عن تسليم الجثة لذويها لغير ذلك على ذمة سداد فاتورة المستشفى فهو لا يجوز وهو مجرم ومعاقب عليه وهو من قبيل انتهاك حرمة الميت المعاقب عليه بنص المادة 316 من قانون العقوبات التي تقضي بحبس كل من ينتهك حرمة جثة مدة لا تزيد عن سنة، وهنا يمكن البعض يسأل أين حق المستشفيات، فنقول إن هناك فرقا بين أمرين أمر شرعي يتعلق بإكرام الميت ودفنه وعدم انتهاك حرمته والاسراع وفقاً للشرع في دفنه، وبين تحصيل المستشفى لفاتورتها وهو أمر أقل لأنه يتعلق بمسائل مادية لا شرعية، والقانون كفل لأي صاحب حق اقتضاء حقه بالطرق القانونية فالمستشفى من حقها مطالبة الورثة بكافة الطرق القانونية دون انتهاك لحرمة الميت". والجانب الثاني في هذه القضية، هو كيفية إثبات امتناع المستشفى عن تسليم الجثة على ذمة الفاتورة فهي كما نقول في القانون واقعة مادية يمكن إثباتها بكافة الطرق، بشهادة الشهود الذين كانوا حاضرين، بتوقيت اخطار أهل المتوفي، بالوفاة مع توقيت استلام الجثة من خلال توقيت الوفاة الذي يثبت بشهادة الوفاة وكذا متابعات حركة ذوي المتوفي بقسم الحسابات بالمستشفى ومن خلال توقيتات كاميرات المستشفى، ورسائل الأهل بشأن ترتيبات الوفاة والتجهيزات وربما يكون من بينها ما يفيد تأخر الاجراءات وأي وسيلة أخرى".

أما الجانب الثالث في هذه القضية بشأن إثبات الخطأ الطبي بعد الدفن، فإنه يتم عن طريق تقديم طلب للنيابة العامة مصحوباً بالأوراق الطبية المتوافرة وتقوم النيابة بإحالة الشكوى للجنة المسئولية الطبية لنظرها وإعداد تقرير بوجود خطأ طبي من عدمه.

وحال عدم كفاية الأوراق لذلك يكون للجنة طلب الإذن من النيابة العامة باستخراج الجثة وتشريحها، وذلك بعد موافقة ذوي المتوفى، وبالطبع لابد أن يكون هذا الطلب في فترة زمنية قريبة من تاريخ الوفاة حتى لا تكون الجثة قد تحللت ويصعب الوقوف على حقيقة الجريمة، كما أنه لابد أن تكون هناك أسباب جدية وشبهات قوية على وقوع جريمة تسببت في الوفاة حتى تستجيب اللجنة ومن ثم النيابة العامة لمثل هذا الطلب احتراماً لحرمة الموتى.

أما الجانب الرابع، بشأن مسؤولية المستشفى حال ثبوت الخطأ الطبي فإنه يقع عليها أكثر من مسؤولية: مسؤولية إدارية ويتم مجازاتها إدارياً بتوجيه إنذار للمسؤول عن المستشفى أو وقفه عن العمل مؤقتاً مدة لا تجاوز ستة أشهر أو وقفه نهائياً أو توجيه إنذار للمستشفى ككيان معنوي أو غلقها مؤقتاً مدة لا تجاوز ستة أشهر أو غلقها نهائياً.

كما تقع تحت المساءلة الجزائية وفقاً لقانون المسؤولية الطبية والتي تقضي بالحبس مدة لا تزيد على سنتين والغرامة التي لا تجاوز خمسمائة ألف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين لترتب الوفاة من الخطأ الطبي، وذلك مع أداء الدية الشرعية وقيمتها مائتي ألف درهم.

كما أن للسائل رفع دعوى تعويض مدنية وهو ما يُعرف بدعوى المسئولية المدنية وذلك بطلب التعويض عن كافة الأضرار الجسدية التي عانى منها والده من لحظة تلقيه العلاج الخطأ حتى وفاته ، وكذلك أي مصاريف تم تكبدها جراء ذلك بالإضافة لما لحقكم من أضرار مادية ومعنوية جراء وفاة والده.

ويتم رفع هذه الدعوى على كلٍ من (المستشفى، والطبيب الذي قام بإعطاء الوصفة الطبية الخطأ، وشركة التأمين المؤمن لديها من قبل المستشفى لأن المستشفيات الخاصة ملزمة بالتأمين إجبارياً لمواجهة مثل هذه الحالات.

طباعة