سؤال قانوني: من يتحمل مسؤولية قتل عابر الطريق بمركبته؟

يقول قارئ: كنت قادماً من أبوظبي متجهاً إلى بيتي في إحدى المناطق الشمالية، وفي منتصف المسافة على الطريق السريع، كانت سرعة الشارع 100 كم/ الساعة، بينما كانت سرعة مركبتي 119 كم/ الساعة، مستغلاً هامش السماح بالسرعة، وكنت ملتزماً أقصى اليسار».

يتابع: أثناء رحلتي، تفاجأت بالسيارات على المسارب الأخرى تخفف من سرعتها، وحاولت بقدر استطاعتي أن أخفف من سرعتي، لكن المفاجأة الأكبر، أنه كان هناك شخص يركض يحاول قطع الشارع، فصدم أثناء عبوره المرآة الجانبية من الباب اليمين لمركبتي، وارتد من قوة الصدمة للخلف، ودهسته سيارة كانت قادمة من الخلف من المسرب الثاني، جهة اليسار، لنحال أنا وسائق المركبة الثانية إلى المحاكمة بتهمة القتل الخطأ، متسائلاً من يتحمل مسؤولية قتل عابر الطريق؟

من جهته، يؤكد المستشار القانوني الدكتور يوسف الشريف، أن هناك فئة من السائقين المستهترين بحياتهم قبل مصير الناس، والبعض لا تعنيهم حياتهم، ورغم كل ما تجريه الدولة والحكومة من احتياطات للحفاظ على حياتهم، لكنهم لا يهتمون، وكأنهم يستمتعون بالمخالفة وهم يقطعون الشارع في غير الأماكن المخصصة للمشاة، تخطط لهم أماكن خاصة وتوضع لهم إشارات خاصة وتبني لهم جسوراً وأنفاقاً للمشاة، ومع ذلك هم يخالفون، معتبراً أن أمثال هؤلاء مجرمون حقيقيون، إذ إن عدم الاكتراث أو اللامبالاة بقواعد المرور مشكلة وطامة كبيرة على الجاني قبل المجني عليه، وأنا أتكلم عن الحالات التي يلتزم فيها السائقون بالقوانين وقواعد المرور، أما السائقون المستهترون أو الذين يقودون سياراتهم تحت تأثير مسكر أو مخدر أو باستهتار ورعونة، فهؤلاء أيضاً مذنبون.

ويتابع بالقول: بالنسبة لحالة السائل وحالة السائق الآخر، نستطيع أن ندافع عنهما ونحن مرتاحي الضمير، ويقول الحق تبارك وتعالى: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين» وماذا تعني مقرنين؟ أي ما كنا عليه مسيطرين، فنحن لا نسيطر على دوابنا ومن ضمن دوابنا السيارات التي نقودها، فهي تحتاج إلى يقظة فعلية ولكن جموحها قد يكون في أي لحظة لأي طارئ، هذا جانب مهم ولكن يستدعي ذلك الحرص على صيانة السيارات وفراملها وإطاراتها لكي تكون مهيئه للقيادة، لكن إذا كانت حال السيارة جيدة فهنا نحن أمام فرضية اليقظة في القيادة، وإن توفرت، فنتكلم عن فرضية التحكم في ضبط إيقاف السيارة، حال تحرك شيء مفاجئ أمامها، لأن السائق يحتاج إلى أجزاء من الثانية لكي ينتبه للمار، إن رآه أو من لحظة مشاهدته له، والسيارة تحتاج لأن تقف حال دعس الفرامل إلى مدة زمنية لتقف وقوفاً كاملاً».

ويضيف: في مثل حالة هذا الشخص الذي عبر الشارع بتهور ورعونة، كان يمكن أن يلاحظ سرعة السيارات، فلا يغامر بنفسه وببهلوانيته اللي أودت بحياته، أما وإنه قد فعل فإن دفاعك ينصب على تحميله المسؤولية أو بعضها لتسقط من حقوق ورثته الدية أو بعضها وذلك استناداً لأحكام قانون السير والمرور بأنه لا يجوز للمشاة عبور الطريق التي تزيد السرعة المقررة لها على ثمانين كيلو متراً في الساعة».

ولما كان الطريق الذي حدثت به الواقعة السرعة المقررة فيه 100/ كيلو متر في الساعة، وقام المجني عليه بالعبور، فإنه يكون قد ارتكب جريمة عبور طريق تزيد السرعة عليه عن ثمانين كيلومتر من غير الأماكن المخصصة لعبور المشاة دون التحوط والانتظار للتأكد من خلو الطريق من السيارات، ويكون قد أسهم بنسبة كبيرة في إحداث وفاته.

أما فيما يتعلق بالمسؤولية وهل المسؤول أنت أم قائد السيارة التي دهسته، فأقول وفقاً لأحكام قانون المعاملات المدنية، فإن كل فعل ترتب عليه ضرر للغير سواء أكان قد ترتب بطريق المباشرة أو بطريق التسبب يلزم فاعله بضمان الضرر، وأنه إذا اجتمع للضرر فعلان أحدهما بالمباشرة والآخر بالتسبب فالأصل إضافة الضمان إلى المباشر، وللمسؤول أن ينفي عنه المسؤولية بإثبات أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي لا يد لـه فيه.

وباستعراض الواقعة يتبين لي من وجهة نظري، أولاً توافر المسؤولية في حق المجني عليه، بل وأرى أن النسبة الأكبر من الخطأ تقع على عاتقه، لأنه أتى فعلاً يمكن أن أشبهه اجتهاداً من نفسي بأنه انتحار، غير مهتم بالسيارات وبسرعة الطريق، ومفرطاً في روحه، فللحق أرى أن خطأه قد استغرق أي خطأ آخر، فلا يستحق ورثته التعويض عن وفاته، ولا الدية.

أما فيما يتعلق بسؤال السائل، أرى انتفاء المسؤولية عنه، وذلك لثبوت تجاوزه المجني عليه، وأن الصدمة جاءت في الباب الأيمن للسائق، أما السائق الآخر فيتوافر في حقه الخطأ لعدم اتخاذ مسافة آمنة بينه وبين السيارة التي أمامه تمكنه من رؤية الطريق، وإن كنت أتمسك باستغراق خطأ المجني عليه خطأ قائد السيارة التي دهسته.

ولكن، في حالة ما إذا قدرت المحكمة توافر نسب خطأ في جانب كل منكم، وهي مسألة تخضع في المقام الأول والأخير لتقدير المحكمة، فعلى ضوء هذه النسب سيتم احتساب التعويض، وكذلك الدية، حيث إنه يجوز تقسيم الدية بقدر نسبة الخطأ.

طباعة