"الاتحادية العليا" تلغي قرار جهة حكومية أنهت خدمة مواطنة

قضت المحكمة الاتحادية العليا بإلغاء قرار جهة حكومية، بإنهاء خدمة موظفة مواطنة بعد نشرها مقطعَيْ فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، تضمنا استغاثة وشكوى، إذ اعتبرت المحكمة أن القرار المطعون فيه قد صاحبه غلو في تقدير العقوبة، وأن شكوى المدعية لم تكن بقصد التطاول أو التشهير.

وفي التفاصيل، أقامت موظفة بجهة حكومية دعوى إدارية، اختصمت فيها جهة عملها، طالبة الحكم بإلغاء قرار إنهاء خدمتها وإعادتها لعملها بدرجتها الوظيفية نفسها، وإلغاء قرار خصم 10 أيام من راتبها، وصرف راتبها منذ إيقافه وحتى إعادتها لعملها مع صرف العلاوات والحوافز والمكافآت المقررة، وضم فترة عملها منذ إنهاء خدمتها حتى إعادتها لعملها، وتعويضها عما لحق بها من أضرار جراء تلك القرارات.

وقالت الموظفة في دعواها إنه "صدر قرار بخصم 10 أيام من راتبها، وإنها تنعى على هذا القرار عدم قيامه على سببه الصحيح، وإنه على أثر صدور هذا القرار استغاثت من مسلك جهة عملها، إلا أنها اعتبرت هذه الاستغاثة مخالفة تستوجب التحقيق معها، وبناء عليه تم إيقافها عن العمل ثم صدر قرار بإنهاء خدمتها بالمخالفة للقانون". وقضت محكمة أول درجة برفض الدعوى، ثم قضت محكمة الاستئناف برفض الاستئناف المقدم من المدعية، فطعنت على الحكم أمام المحكمة الاتحادية العليا.

من جانبها، تصدت المحكمة الاتحادية العليا للفصل في النزاع عملاً بحكم المادة (184) من قانون الإجراءات المدنية، مقررة إلغاء قرار إنهاء خدمة المدعية وما يترتب على ذلك من آثار.

وبينت المحكمة الاتحادية العليا في الحيثيات أن "المدعية تمت إحالتها إلى لجنة المخالفات لنشرها مقطعَيْ فيديو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تضمنا استغاثة وشكوى، وقد احتوى مقطعا الفيديو على عبارات: (نحن مجموعة من الأطباء والصيادلة المواطنين لا يوجد من ينصفنا)، (وأننا مهضوم حقنا)، (هناك تعمد تطفيشنا)، وبناء على توجيه لجنة المخالفات تم إيقاف المدعية عن العمل احتياطياً، وإجراء تحقيق معها، ثم أوصت لجنة التحقيق بفصلها من الخدمة.

وذكرت المحكمة أنه" ولئن كانت الشكوى المذكورة تضمنت اتهامات بغير دليل يؤيدها بما تكون معه قد ضلت سبيلها وأخطأت هدفها إلا أن القدر المتيقن من الأوراق أن ما ورد بالشكوى لم يكن وليد اختلاق من المدعية دون أساس، وإنما بناء على ما اتخذ ضدها من إجراءات تمثلت في سحب بعض صلاحيتها وما نسب إليها من مخالفات والتحقيق معها، وأن قصد المدعية هو الإبلاغ عما تراه هي وفقاً لقناعتها من إجراءات قانونية ضدها، ولا يبين من هذه الشكوى أنها كانت مدفوعة بشهوة الإضرار بزملائها أو رؤسائها أو الكيد لهم على غير أساس من الواقع، وما يعضد ذلك أنها لم تحدد شخصاً بعينه نسبت له هذه الاتهامات، ما ينفي عنها شبهة الشكوى بقصد التطاول أو التشهير، ويؤكد قصدها في رفع المخالفة عنها، ولا يغير من ذلك ما انتهى إليه التحقيق من عدم سلامة الشكوى لأن العامل غير مطالب بأن يتمكن قبل تقديم الشكوى من إجراء بحث دقيق متعمق لا يملك وسائله وتحري سائر أبعاده، الأمر الذي يؤكد أن مسلكها كان بحسن نية منها، حتى إن شابه التهور والفساد في التقدير، وإن كان ما تقدم يجيز مؤاخذتها تأديبياً إلا أن المادة (83) من قانون الموارد البشرية تضمنت العديد من العقوبات المتدرجة ابتداء بلفت النظر ثم الخصم من الراتب ثم تنزيل الدرجة وانتهاء بالفصل من الخدمة، إلا أن جهة عملها اختارت الجزاء الأشد وهو الفصل من الخدمة دون اختيار عقوبة أقل شدة تتناسب مع خطورة الذنب الإداري، في ضوء الظروف والملابسات التي سبقت وعاصرت تحرير الشكوى وفي ضوء الاعتبار المعنوي المصاحب لارتكاب المخالفة الذي ينم عن غفلة وتهور وليس عن عمد بقصد التشهير والتطاول، ومن ثم يكون القرار المطعون فيه قد صاحبه غلو يشوبه بعدم المشروعية، ويتعين ترتيباً على ذلك إلغاؤه".

وبشأن طلب المدعية إلغاء قرار خصم 10 أيام من راتبها، أيدت المحكمة ما انتهى إليه حكم أول درجة، في ما قضى به من رفض طلب إلغاء هذا القرار محمولاً على أسبابه.

ورفضت المحكمة طلب المدعية الخاص بالتعويض، إذ رأت انتفاء مسؤولية جهة العمل الموجبة للتعويض، كما رفضت طلب المدعية بصرف راتبها اعتباراً من تاريخ إنهاء خدمتها، إذ أكدت أنه من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الأجر مقابل العمل، وأن المدعية لم تؤدِّ عملاً تستحق عنه أجر ما يتعين معه رفض هذا الطلب أيضاً.

وأكدت المحكمة الاتحادية العليا أن حق الشكوى يكفله القانون ويحميه الدستور، ولممارسة هذا الحق شروط وأوضاع في مقدمتها أن تكون الشكوى للسلطة المختصة التي تملك رفع الظلم ورد الحق إلى أصحابه، فإذا وجهت الشكوى إلى غير الجهات الأصلية المختصة أو اندفعت في عبارات خارجة تكيل الاتهامات بغير دليل، فإنها تكون قد ضلت سبيلها وأخطأت هدفها وتستوجب مؤاخذة مقدم الشكوى تأديبياً إلا أنه في ذات الوقت ولئن كانت للسلطة التأديبية تقدير خطورة الذنب وبما يناسبه من جزاء بغير معقب عليها في ذلك، فإن مناط مشروعية هذا التقدير ألا تشوبه إساءة استعمال السلطة أو غلو في تقدير العقوبة ومن صور هذا الغلو عدم التناسب بين درجة خطورة الذنب وبين نوع الجزاء ومقداره، وأن هذا التناسب يكون في ضوء التحديد الدقيق لوصف المخالفة من خلال الظروف والملابسات المشكلة لأبعادها، وبما مؤداه أن جسامة العمل المادي المشكل للمخالفة إنما ترتبط بالاعتبار المعنوي المصاحب لارتكابها بحيث لا تتساوى المخالفة القائمة على غفلة أو استهتار أو إهمال بتلك القائمة على عمد، والهادفة إلى غاية غير مشروعة، إذ لاشك أن الأولى أقل جسامة من الثانية، وهذا ما يجب أن يدخل في تقدير من يقوم بتوقيع الجزاء التأديبي على ضوء ما يستخلصه استخلاصاً سائغاً من جماع أوراق الموضوع .

طباعة