يكتشفون خلال مراحل التقاضي أن موكليهم جناة

محامون يرفضون التــرافــع عــــن متهمين: خسارة مادية وربح إنساني

صورة

«أخسر مادياً وأربح إنسانياً».. خيار يلجأ إليه محامون عندما يكتشفون خلال إحدى مراحل الدعاوى أن موكليهم ليسوا على حق، فيعمدون بدافع الأخلاق المهنية والضمير الإنساني إلى الاعتذار عن عدم الاستمرار في القضية، حسب محامين واستشاريين قانونيين، أكدوا أنه في حال رأى المحامي أنه سيحيد عن تحقيق العدالة بدفاعه عن أحد المتهمين، استوجب عليه التنحي؛ كون الهدف الأسمى لمهنة المحاماة هو الانتصار لأصحاب الحقوق والمظلومين.

المحامية نادية عبدالرزاق، قالت إن القانون الاتحادي نص بشأن تنظيم مهنة المحاماة على أنه يحق للمحامي التنحي عن وكالته أمام المحاكم، وفي هذه الحالة يجب أن يخطر موكله أو من ينوب عنه بكتاب موصى عليه (مسجل) بتنحيه، وأن يستمر في مباشرة إجراءات الدعوى لمدة شهر على الأكثر من تاريخ إرسال الإخطار للموكل متى كان ذلك لازماً للدفاع عن مصالح الموكل أو من ينوب عنه ما لم يخطره أو المحكمة بقبول التنحي، وتعيين محامٍ آخر قبل انقضاء تلك المدة، وعلى المحامي إذا تنحى عن الدعوى أن يرد لموكله سند التوكيل والمستندات والأوراق الأصلية ومقدم الأتعاب، وفي جميع الأحوال لا يجوز التنحي عن الوكالة إذا كانت الدعوى مهيأة للفصل فيها إلا بموافقة المحكمة المنظورة أمامها الدعوى.

«تمر علينا قضايا نؤمن في بادئ الأمر بأن المتهم بريء بحكم ما يتوافر لدينا من معلومات أولية، ثم نكتشف لاحقاً خلاف ذلك، ما يضطرنا إلى الاعتذار عن هذه القضايا، إلا أنه يجب عدم إغفال مبدأ (المتهم بريء حتى تثبت إدانته)، فالأصل في المتهم هو البراءة حتى يثبت العكس من خلال الأدلة والتحقيقات»، وفق عبدالرزاق، التي أوضحت أن الدستور الإماراتي نص في الباب الثالث في ما يتعلق بالحريات والحقوق والواجبات العامة بالمادة (28) على أن العقوبة شخصية، والمتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية وعادلة، وللمتهم الحق في أن يوكل من يملك القدرة للدفاع عنه أثناء المحاكمة.

وجاء في نص المادة رقم (4) من قانون الإجراءات الجزائية الاتحادي رقم (36) لسنة 1992، أنه يجب أن يكون لكل متهم في جناية معاقب عليها بالإعدام أو بالسجن المؤبد محامٍ للدفاع عنه في مراحل المحاكمة، وإذا لم يوكل محامياً عنه ندبت له المحكمة محامياً وتتحمل الدولة مقابل جهده، وذلك على النحو المبين في القانون، وللمتهم في جناية معاقب عليها بالسجن المؤقت أن يطلب من المحكمة أن تندب له محامياً إذا تحققت من عدم قدرته المالية على توكيل محامٍ، وإذا كانت لدى المحامي المنتدب أعذار أو موانع يريد التمسك بها، فيجب عليه إبداءها من دون تأخير إلى رئيس محكمة الجنايات، وإذا قُبلت الأعذار يندب محام آخر.

ومن الممكن في مرحلة التحقيقات الأولية ــ والكلام مازال على لسان عبدالرزاق ــ ألّا تثبت الأدلة المتاحة بشكل قاطع تورط المتهم في ارتكاب الجريمة موضوع الدعوى، ثم يظهر بعد ذلك دليل جديد أو مستند أو شاهد إثبات يؤكد تورطه في ارتكاب الجريمة، وفي تلك الحالة يكون للمحامي حق اتخاذ القرار، والاختيار بين الاستمرار في الدعوى أو التنحي عنها، والفيصل في ذلك الدافع الأخلاقي والمهني الذي من أجله قامت مهنة المحاماة، وهو إظهار الحق والدفاع عن أصحاب الحقوق والمظلومين، مبينة أنها تعتذر عن قبول بعض قضايا الجنايات، وذلك لغموض بعض الجوانب فيها، والتي تمثل عائقاً أمام المحامي في أداء مهمته، وكذا القضايا الخاصة بالجرائم الأخلاقية المخلة بالشرف والسمعة.

أما المحامي والمستشار القانوني علي القواضي الحمادي، فأكد أن المحاماة هي رسالة إنسانية ومهنة حرة تحقق سيادة القانون، وتضمن للأفراد والجماعات حقوقهم، فالمحامي هو القاضي الأول لأي قضية، سواء كانت جنائية أو تجارية أو أسرية، وفقاً لأصول الأنظمة واللوائح القانونية التي يجب أن يخوض فيها متسلحاً بأخلاقياته المهنية ونزاهة ضميره، لرفع الظلم وتحقيق العدالة بين الناس، مضيفاً أن «أخلاقيات المحامي تفرض عليه الالتزام بالقسم الذي أداه عند بداية مزاولته للمهنة، والذي يلزمه بتأدية واجبه المهني باعتباره قضاء واقفاً، فالمحامون هم أعوان القضاة، ولا يقبلون الترافع عن أي قضية إلا بعد دراسة تفاصيلها ومعرفة أبعادها كافة، إلّا أنه في بعض الأحيان يقبل المحامي الترافع عن أحد الأشخاص، وحين يكتشف أثناء المحاكمة وقبل النطق بالحكم النهائي أن موكله ليس على حق يضطر إلى الاعتذار عن عدم الترافع في قضيته بدافع أخلاقياته المهنية والإنسانية، التي تحثه على رفع الظلم وتحقيق العدالة في المجتمع».

ومنح قانون الدولة المتهم الحق في الدفاع عن نفسه حتى في القضايا الجنائية التي يكون حكمها مؤبداً أو إعداماً.

«اعتذرتُ عن قضايا أثبتت الأدلة منذ البداية أن المتهم ارتكب التهمة الموجهة إليه، مثل قضايا تجارة المخدرات والاغتصاب، وغيرها من القضايا التي يملي عليّ ضميري الإنساني والمهني الترافع فيها، كما اعتذرت عن استكمال الترافع في قضايا اكتشفت لاحقاً معلومات جديدة تؤكد أن المتهم هو الجاني، وكنت أبلغ الموكل برغبتي في عدم استكمال الترافع في القضية، ثم أتوجه إلى المحكمة مقدماً طلباً بذلك، ومن بين هذه القضايا قضية اتجار في المخدرات اكتشف من الأدلة المتوافرة أن موكلي ارتكب بالفعل هذه الجناية»، حسبما قال الحمادي، الذي لفت إلى أنهلا توجد قضية يستطيع أحد الجزم بأنها رابحة أو خاسرة قبل إحالتها إلى القضاء، فلكل قضية ظروفها الخاصة، إضافة إلى أن مصطلح الربح أو الخسارة يعود إلى مصدرين: إما خسارة مادية وربح إنساني، أو خسارة إنسانية وربح مادي، لذا فإن المحامي المهني الذي يحرص على النزاهة في عمله وتطبيق مبدأ العدل، يترفع عن الربح المادي الذي لا يحقق له مبدأ الربح الإنساني.

الباحث القانوني أيهم المغربي، أوضح من جهته أن معظم القضايا التي يعتذر المحامون عن عدم الترافع فيها فهي قضايا المخدرات والزنا والمتعلقة بعقوق الوالدين، وأحياناً قد يعتذر المحامي عن عدم استكمال الترافع عن قضية بسبب خلاف بينه وبين الموكل بسبب قيمة أتعاب القضية، وعلى المحامي إذا تنحى عن الدعوى أن يرد لموكله سند التوكيل والمستندات والأوراق الأصلية ومقدم الأتعاب، وفي جميع الأحوال لا يجوز التنحي عن الوكالة إذا كانت الدعوى الموكل فيها مهيأة للفصل فيها إلا بموافقة المحكمة المنظورة أمامها الدعوى.

تنظيم مهنة المحاماة

قال الباحث القانوني، أيهم المغربي، إن المادة 24 من القانون الاتحادي رقم 23 لسنة 1991 بشأن تنظيم مهنة المحاماة، تنص على أنه إذا ندبت المحكمة محامياً للدفاع عن متهم في جناية يعاقب عليها بالإعدام أو السجن المؤبد أو السجن المؤقت لمدة لا تقل عن 10 سنوات؛ وجب على المحامي الحضور والدفاع عمن نُدب للدفاع عنه في جميع جلسات المحاكمة، وتقدر المحكمة عند الفصل في الدعوى المنتدب فيها المحامي أتعابه، ويكون قرارها في هذا الشأن نهائياً، ويتم صرف الأتعاب من خزينة وزارة العدل بموجب شهادة تعطى له من المحكمة التي قدرت الأتعاب، ويحق للمحامي الاعتذار عن الانتداب لسبب مقبول.