مستشار قانوني: نفتقر إلى عقوبات رادعة بحق المتسولين ومن يتستر عليهم

سكان يرصدون عصابات تسوُّل منظـمة في الشارقة وعجمان

صورة

رصد سكان، في الشارقة وعجمان، شبكات تسول منظمة، تضم أشخاصاً آسيويين ينتشرون في مناطق عدة، يتم توزيعها في ما بينهم، ويتفقون على القصص التي سيرددونها لاستجداء المارة في الطرق، للحصول منهم على الأموال، ومنهم من يعمد إلى دخول المنازل دون استئذان ويرفض الخروج، إلى أن يتم إعطاؤه ما يريد من مال أو طعام.

فيما حذرت شرطتا الشارقة وعجمان من التعامل مع المتسولين، والتعاطف معهم، وطالبتا بإبلاغ الجهات المختصة عنهم لاتخاذ اللازم تجاههم، مؤكدة أن هذه الفئة تتبع عصابات منظمة، تستهدف جمع الأموال عن طريق جلب المتسولين إلى الدولة، وإدارة هذا النشاط، مستغلة رغبة أفراد المجتمع في فعل الخير.

وأكد المستشار القانوني، أيهم المغربي، أن قانون الدولة لايزال يفتقر لعقوبات رادعة ضد المتسولين ومن يتستر عليهم، وأنه لا توجد مادة في قانون العقوبات الاتحادي رقم 3 لسنة 1987، تنص على عقوبة صريحة لفعل التسول أو التستر على المتسول، لافتاً إلى أن لجنة الشؤون الداخلية والدفاع والخارجية بالمجلس الوطني الاتحادي، انتهت من مناقشة مشروع قانون اتحادي بشأن مكافحة التسول وفي حال إقرار القانون، قد يواجه كل من يتم القبض عليه متسولاً عقوبة السجن لمدة ثلاثة أشهر مع دفع غرامة مالية قدرها 5000 درهم، فيما سيتم فرض عقوبات أكثر صرامة على أولئك الذين لا يعانون إعاقات جسدية، ولديهم مصدر دخل واضح.

أما مجموعات التسول المنظمة، ومن يديرها ويتستر عليها وينظمها، فسيكون على أفرادها قضاء فترة لا تقل عن ستة أشهر في السجن، مع غرامة مالية تصل إلى 10 آلاف درهم.


وتفصيلاً، قالت المواطنة فاطمة سلطان: «أثناء خروجي من عيادة في منطقة المجاز بالشارقة، تقدم تجاهي شخص وبدأ يتحدث معي باللغة الإنجليزية، على الرغم من أنه ينتمي لجنسية آسيوية، وأخبرني بأنه قدم للدولة في زيارة ثلاثة أشهر، وأنه ينزل في أبوظبي حاليا، وجاء إلى الشارقة لزيارة أحد أصدقائه، إلا أن المبلغ الذي كان بحوزته نفد ويحتاج إلى 400 درهم ليستقل سيارة أجرة ويعود إلى أبوظبي، فاقترحت عليه أن يتوجه إلى محطات النقل بالحافلات، حيث إن رسومها مناسبة، إلا أنه أصر على أن أدفع له المبلغ الذي حدده، ما جعلني أتجاهله وأمشي بعيداً».

«كافح التسول.. وساعد من يستحق»

أطلقت شرطة الشارقة حملة توعوية لمكافحة ظاهرة التسول، خلال شهر رمضان الكريم، تحت شعار: «كافح التسول.. وساعد من يستحق»، بهدف التوعية، وتعريف الجمهور بالمخاطر التي تنطوي عليها هذه الظاهرة البغيضة.

وقال مدير إدارة الإعلام والعلاقات العامة بشرطة الشارقة، العقيد عارف حسن بن هديب، إن هذه الحملات التوعوية تأتي تنفيذاً لمبادرات وزارة الداخلية، واستكمالاً للحملات التي تطلقها شرطة الشارقة للحد من الظواهر السلبية، بما فيها ظاهرة التسول، التي تتزايد خلال شهر رمضان المبارك، من خلال انتشار المتسولين في الأماكن السكنية وأمام المساجد وفي الأسواق العامة، وغيرها، والذين تقف وراءهم جماعات منظمة، تستهدف جمع الأموال عن طريق جلب المتسولين إلى الدولة، وإدارة هذا النشاط، مستغلة عطف أفراد المجتمع ورغبتهم في فعل الخير.


الحمادي: التسول مرض نفسي

عرّفت الأخصائية الاجتماعية والنفسية، مريم علي الحمادي، التسول بأنه مرض نفسي، يقوم على مبدأ لذة التسول ورغبة استمالة العاطفة والمساعدات، إذ يكون في البداية سلوكاً، وسرعان ما يتحول إلى مرض نفسي، يكمن في إحساس الشخص بالإنجاز عند حصوله على مبالغ دون أداء أي مجهود بدني، مشيرة إلى أن هذا السلوك يدفع الأطفال المتسولين إلى تعلم ثقافة الشارع القائمة على الاتكال على الآخرين وحب المغامرة والانحراف، وغيرها من السلوكيات غير المقبولة اجتماعياً.

وقالت «أصبح التسول مهنة مربحة بالنسبة لبعض الأشخاص، ما جعلهم يبتكرون أساليب لإثارة شفقة الناس، وتالياً الحصول منهم على ما يطلبونه من مال ومساعدات، أما الأساليب التقليدية المتبعة عادةً من معظم الأشخاص الممتهنين للتسول من أجل كسب تعاطف ضحاياهم، فتتمثل في استغلال العاهات والإعاقات الجسدية والذهنية التي يعانونها، وادعاء حملهم لبعض الأمراض التي يتطلب علاجها مصاريف باهظة».

وأضافت: «بعد دقائق أوقفني متسول ثانٍ من جنسية المتسول الأول نفسها، وردد القصة نفسها تماماً دون إضافة أو نقصان، وطلب المبلغ ذاته (400 درهم) ليعود إلى أبوظبي، ما جعلني أجزم أنهما يتبعان عصابة منظمة للتسول، تتخذ من منطقة محددة مكاناً لها لاستعطاف المارة».

وأكد المواطن علي عبدالله المرزوقي، من إمارة الشارقة، أن «هناك عصابات للتسول، تختار المناطق الحيوية التي يزداد تردد الأشخاص عليها، ويقسمونها كمناطق اختصاص في ما بينهم، بغرض التسول بطريقة موحدة متفق عليها في ما بينهم، كسرد قصة مأساوية مثل مرورهم بأزمة صحية أو مالية، وأنهم يحتاجون إلى مساعدة عاجلة».

وأضاف أنه تعرض لهذه المواقف من مجموعة من المتسولات في أماكن مختلفة، ادعين أنهن بحاجة إلى المال من أجل العلاج، وأنهن مصابات بمرض خطر، ويحملن تقارير طبية تؤكد كلامهن. ومنهن من تدعي أن أموالها سرقت وتحتاج إلى المال لتعود إلى منزلها.

وأكمل المرزوقي: «لم يقتصر الأمر على اتباع مثل هذه الوسائل، بل إن بعض المتسولين يدخلون البيوت، ويرفضون الخروج منها حتى يعطيهم أصحابها ما يرغبون به، سواء كان مالاً أو مواد غذائية، مثل أكياس الأرز أو الطحين، مدعين عدم امتلاكهم المال لتوفير ما يحتاجونه هم وأبناؤهم من احتياجات أو غذاء لهم».

فيما قال المواطن سعيد الكعبي، من الشارقة، إن «متسولاً (من جنسية دولة عربية) ومعه طفل، أوقفه أثناء مغادرته أحد متاجر المواد التموينية، وطلب منه مالاً ليشتري لابنه حليباً، ووجبة طعام لأسرته، مشيراً إلى أن الطلب أثار مشاعره، وجعله يخرج مبلغاً مالياً ويعطيه له.

وتابع: «بعد ركوب سيارتي، ظللت بداخلها أراقب المتسول لأرى ما سيفعله، وفوجئت به يتوجه لشخص آخر، ويبدأ الحديث معه، إلى أن أخرج له هذا الشخص مبلغاً من جيبه وأعطاه إياه»، مطالباً بضرورة ضبط هؤلاء المتسولين عبر كاميرات مراقبة، واتخاذ اللازم تجاههم لمنعهم من استغلال الآخرين.

من جانبه، قال أشرف إبراهيم إنه أثناء خروجه من منزله في عجمان مساء، وجد شخصاً آسيوياً يحمل تقريراً طبياً، مدعياً حاجته إلى إكمال العلاج في المستشفى، فشك في أن التقرير مزور، إذ لم يكن يحمل ختم مستشفى، لذا رفض مساعدته.

وأضاف «في إحدى المرات دخلت أكثر من امرأة إلى منزلي، بعد أن سمحت لهن الخادمة بذلك، وحينما عرفت أنهن متسولات طلبت منهن المغادرة، لكنهن رفضن مدعيات حاجتهن إلى المال لشراء احتياجات أطفالهن».

وذكرت رشا الناصر أنها أثناء دخولها أحد المتاجر، اعترضتها امرأة من جنسية عربية، وطلبت منها مساعدة مالية، لكنها رفضت، وعند خروجها من المتجر وركوبها في السيارة فوجئت بقدوم المرأة ذاتها مرة أخرى، وطلبت منها فتح النافذة وبعد استجابتها لها، أخذت تبكي مدعية عدم وجود طعام في منزلها، الأمر الذي دفعها إلى إعطائها مبلغاً مالياً متواضعاً.

وتابعت أنها في اليوم التالي تعمدت المرور من أمام المتجر ذاته، فوجدت المرأة نفسها في المكان نفسه، لاستغلال عواطف الناس.

من جانبها، أطلقت شرطة عجمان حملتها السنوية لمكافحة التسول، تزامناً مع بداية شهر رمضان المبارك، إذ اتخذت إجراءات عدة لمكافحة هذه السلوكيات، لما لها من آثار سلبية والإساءة للوجه الحضاري للدولة، وسلب لأموال الناس من غير وجه حق.

وأكد مدير إدارة التحريات والمباحث الجنائية بشرطة عجمان، الرائد أحمد سعيد النعيمي، أن التسول يعد من الظواهر السلبية، التي تؤثر في المظهر الحضاري للمجتمعات، وتنتشر تلك الظاهرة غالباً خلال شهر رمضان المبارك، إذ يستغل البعض هذا الشهر، للقدوم إلى الدولة لممارسة هذه الظاهرة، لمعرفتهم بأن الإمارات مجتمع متراحم معطاء، لافتاً إلى أن الدولة بشكل عام، وعجمان بشكل خاص، تحارب هذه الظاهرة بشكل كبير.

وأضاف النعيمي أن شرطة عجمان لم تتوانَ، على مدى السنوات الماضية، في تنظيم حملات مكافحة التسول، وقد تم تنظيم حملة هذا العام بهدف التكاتف بين المواطنين والمقيمين والجهات المختلفة من المؤسسات في الإمارة، لرصد المتسولين ومواجهتهم.

وأفاد بأن الحملة تتضمن تكوين فريق تحرٍّ، لرصد ومتابعة المتسولين وتشديد الرقابة في المواقع التي يستهدفها المتسولون، مثل الأسواق التجارية والأحياء السكنية والمساجد ومواقع البنوك والمصارف، إضافة إلى تنظيم برامج توعية بمخاطر طرق وأساليب المتسولين، وإيضاح مدى خطورتهم.

ولفت النعيمي إلى أن إمارة عجمان بها العديد من الجمعيات الخيرية، التي تقوم بمساعدة الفقراء والمحتاجين والمرضى، وبإمكان أي شخص اللجوء إلى تلك الجمعيات للحصول على المساعدات، إذا ثبت فعلياً احتياجه لها، ما ينفي الحاجة إلى التسول، لذلك لن تتهاون الشرطة في معاقبة كل من يثبت عليه التسول، واستجداء الآخرين.

ودعا أفراد المجتمع إلى التعاون مع الحملة، وأن يكونوا على يقظة وحذر من هؤلاء، وعدم التعاطف معهم، بل يوجهون تبرعاتهم وحسناتهم إلى الجمعيات الخيرية، التي تقوم بعمليات التوزيع العادل على الحالات الفقيرة والمحتاجة، وطالبهم أيضاً بسرعة الإبلاغ عن تلك الحالات.

فيما وصف نائب رئيس شبكة الشارقة لحماية الطفولة، المحامي إبراهيم الحوسني، ظاهرة التسول بأنها سلوك «مشين»، كونه يضر بالمجتمع وبتكوينه الحضاري، وهو من الظواهر التي لم تزل الدولة تحاربها منذ نشأتها، وتصدر القوانين والقرارات المتوالية في سبل الحد منها، وكان آخر تلك التشريعات قانون مكافحة جرائم الاتجار بالبشر، الذي اعتبر أن الاتجار بالبشر هو أي سلوك فيه تجنيد للأشخاص أو استعمالهم بأي شكل من الأشكال، أو استغلال ضعفهم وحاجتهم في سبيل السيطرة عليهم، وتوجيههم لأعمال غير مشروعة.

وقال إن استخدام الأطفال والنساء وأصحاب الهمم في التسول من أسوأ أنواع الاستغلال، كونه يستغل عاطفة الجمهور وتعاطفهم مع هذه الفئات، لذا قام المشرع الإماراتي بتشديد العقوبة في هذه الحالة من السجن لمدة خمس سنوات إلى السجن المؤبد.

وأضاف الحوسني: «من الملاحظ في الآونة الأخيرة انتشار استغلال الأطفال في التسول، وعرضهم على المارة من قبل بعض النساء، والاستجداء لكسب عواطف الناس، ما يعرض هؤلاء الأطفال لمخاطر الطريق وخطر حرارة الجو، لاسيما في فصل الصيف، فضلا عن خطر الاعتداء عليهم».

وأضاف: «ما نلاحظه أيضا انتشار هذه الظاهرة في مواسم محددة، مثل شهر رمضان المبارك الذي تتم فيه استمالة العواطف الدينية لدى الجمهور والاستفادة من رغبتهم في فعل الخير وتقديم المساعدة لمن يحتاجون إليها في الأيام الفضيلة، كما أن أعداد المتسولين تزداد أيضاً في الفترات التي تتعرض لها بعض الدول لفوضى أو حرب، فنجد أن الكثير من أهالي تلك الدول القادمين للدولة بتأشيرات سياحية يقومون كذلك بالتجول في الطرق واعتراض المارة وسؤالهم المساعدة»، مشدداً على أن «كل هذه السلوكيات من الأمور المرفوضة في الدولة عرفاً وقانوناً، خصوصا إذا كانت تؤدى بشكل جماعي منظم، ما يعرض مرتكبيها للعقوبة التي تمتد للسجن المؤبد».

وأكد أن القانون الإماراتي حذر من علم بوقوع إحدى هذه الجرائم والتستر عليها، وعدم إبلاغ الجهات المختصة بها، إذ يعاقب المتستر عليها بالحبس لمدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على خمس سنوات، والغرامة التي تصل إلى 20 ألف درهم.

في السياق ذاته، ذكر المستشار القانوني، أيهم المغربي، أن قانون الدولة يفتقر لعقوبات رادعة بحق المتسولين ومن يتستر عليهم، وأنه لا توجد مادة في قانون العقوبات الاتحادي رقم 3 لسنة 1987 تنص على عقوبة صريحة تعاقب على فعل التسول أو التستر على المتسول، إلا أن هذا الأمر تمت معالجته من خلال الأوامر المحلية في كل إمارة على حدة، وأوقعت عقوبات على مرتكبيه، وكذلك عبر القانون الاتحادي رقم (51) لسنة 2006، المُعدل بالقانون الاتحادي رقم (1) لسنة 2015، بشأن مكافحة الاتجار بالبشر.

وأشار إلى أنه بموجب القانون، يشمل الاتجار بالبشر جميع أشكال الاستغلال الجنسي، وإشراك الآخرين في الدعارة، والاستعباد، وأعمال السخرة، والاتجار بالأعضاء البشرية، والخدمة بالإكراه، والتسول والممارسات الشبيهة بالاستعباد، ونص القانون على عقوبتها بالسجن المؤقت الذي لا تقل مدته عن خمس سنوات، وبالغرامة التي لا تقل عن 100 ألف درهم، وتكون العقوبة السجن المؤبد إذا كان الضحية طفلاً أو من أصحاب الهمم، وإذا ارتكب الفعل بطريق التهديد بالقتل، أو بالأذى الجسيم، أو بأعمال تعذيب بدنية أو نفسية، أو كان الجاني يحمل سلاحاً، وإذا كان مرتكب الجريمة قد أسس أو أدار جماعة إجرامية منظمة، أو كان أحد أعضائها أو شارك في أفعالها مع علمه بأغراضها.

وتابع المغربي أن لجنة الشؤون الداخلية والدفاع والخارجية، بالمجلس الوطني الاتحادي، انتهت من مناقشة مشروع قانون اتحادي بشأن مكافحة التسول، وفي حال إقرار القانون قد يواجه كلّ من يقبض عليه متسوّلاً عقوبة السجن لمدّة ثلاثة أشهر، مع دفع غرامة ماليّة قدرها 5000 درهم، فيما سيتم فرض عقوبات أكثر صرامة على أولئك الذين لا يعانون إعاقات جسديّة، ولديهم مصدر دخل واضح.

أمّا مجموعات التسوّل المنظّمة، ومن يديرها ويتستر عليها وينظمها، فسيكون على أفرادها قضاء فترة لا تقلّ عن ستة أشهر في السجن، مع غرامة ماليّة تصل إلى 10 آلاف درهم.

طباعة