موسيقى جديدة

أحمد السلامي

 

 

لطالما تفاخر الرسامون والأدباء العرب بمداومتهم على سماع بيتهوفن وباخ وموزارت، وغيرهم من أساطين الموسيقى الكلاسيكية العالمية، وفي أحسن الأحوال قد يذكر أحدهم اسم فيروز التي جعل الرحابنة صوتها يحلق عاليا بأجنحة موسيقى مختلفة ومدهشة، ولكن لماذا لم يظهر بيتهوفن عربي يؤلف موسيقى تستلهم انغامها من ثقافة المكان وعراقة التاريخ العربي؟


لقد ارتبطت الموسيقى في ثقافتنا بالغناء كما ارتبط الشعر العربي منذ نشأته بالإيقاع، ونتج عن هذا التزاوج التاريخي بين الشعر والموسيقى، تهميش الطاقة التجريدية التي تتميّز بها الموسيقى وتحويلها إلى زينة تتخلل صوت المطرب. وتتلبس معاني القصيدة وقوافيها لدى الشاعر.

 

صحيح أن هناك محطات غنائية عربية تجاوز خلالها الملحنون مرحلة الطرب التقليدي وارتقوا باللحن إلى المستوى التعبيري، لكن التلازم بين الكلام والموسيقى ظل يحدث قطيعة لدى الذائقة العربية تحجبها عن تلقي الفنون التجريدية بصورة عامة وإنتاجها  ومن بينها الموسيقى، وإن وجدت تجارب في التأليف الموسيقي فهي تجارب فردية نادرة وذات مرجعية غربية.


ورغم انقضاء ما يوصف بالزمن الجميل في عصر الأغنية العربية والملحنين الكبار أمثال عبدالوهاب والقصبجي والسنباطي، فإن هؤلاء لم يورثوا على الأقل بدايات ملهمة في حقل الموسيقى المجردة التي لا يصاحبها الغناء.

 

أعتقد أن البداية الحقيقة في هذا المجال ولدت مع تباشير تطور الدراما التلفزيونية التي استدعت تطور الموسيقى التصويرية المصاحبة للعمل الدرامي، وربما يفرق الدارسون بين الموسيقى التصويرية والسيمفونية، لكن الأكيد أن الدراما بدأت تخلق موسيقى جديدة لم تكن مألوفة.

 

ويوفر التلفزيون فرصة ذهبية لتوطين هذا اللون في الذاكرة السمعية للمشاهد، فمن منا لا يتذكر على سبيل المثال موسيقى عمار الشريعي في مسلسل «ليالي الحلمية» او موسيقى الملحن الأردني الشاب طارق الناصر الذي لفت الأنظار إلى محورية الموسيقى التصويرية في العمل الدرامي منذ مسلسل «نهاية رجل شجاع» ومروراً باندماجه مع الدراما الجديدة في سورية.


وعند الحديث عن الموسيقى الصافية التي تخاطب الروح والعقل معاً لا يمكن تجاهل أعمال عازف العود العراقي الشهير نصير شمة، وكذلك بعض مقطوعات مارسيل خليفة التي أفلتت من الاقتران بالقصائد الثورية ومن التوظيف السياسي. ولاشك في أن هناك أسماء أخرى كان لها قصب السبق في هذا المضمار، لكنها ظلت نخبوية ولم تنجح في استقطاب الجمهور.

 

أعود إلى طارق الناصر الذي تمثل تجربته حالة استثنائية، ورغم أن أعماله الموسيقية التي ارتبطت بالمسلسلات هي التي منحته الشهرة،فإنه لم يحصر نفسه في تأليف هذا اللون، فلديه فرقة موسيقية خاصة باسم «مجموعة رم» نسبة إلى وادي رم في جنوبي الأردن، ويقدم من خلالها موسيقى عربية جديدة من أبرز خصائصها مزج أصوات الآلات والإيقاعات بالصوت البشري الفطري الذي يتخلى عن المعاني المباشرة للكلمات، ويراهن على الدلالة المشتركة لصوت الإنسان ومقدرته على التعبير عن الحزن او الفرح من دون لغة سوى لغة الموسيقى.
 
 

slamy77@gmail.com

طباعة