وكالات التزييف الائتماني!

    جورج فهيم

     

    تخيّـل لو أن الطالب في المدرسة أو الجامعة يحصل على درجاته العلمية بمقدار ما يدفع من نقود للعلم! وتخيل لو أن القاضي يصدر أحكامه في القضايا المعروضة عليه لصالح الخصم الذي يدفع له أكبر كمّ من النقود! وتخيل لو أن مفتشي الجمارك يحدّدون الرسوم المستحقة على السلع المستوردة وفقاً لكم الأموال التي يحصلون عليها من المستوردين! قد يبدو ذلك مستحيلاً أو ضرباً من الخيال، ولكنه يحدث بالحرف الواحد مع وكالات التصنيف الائتماني التي تسببت في الأزمة الطاحنة التي تعصف بأسواق المال العالمية والتي تجاوزت خسائرها حتى الآن أكثر من تريليون دولار.

     

    وفي الواقع فإن وكالات التصنيف الائتماني تشبه الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن التي تحتكر لنفسها حق «الفيتو»، فهذه الوكالات مهمتها أن تصنّف الأفراد والشركات والدول وفقاً لأهليتها للحصول على القروض وقدرتها على سداد الديون، وبالتالي فإنها تستطيع بجرة قلم أن تمنح تصنيفاً متقدماً لجهة ما، فتنفتح أمامها أسواق المال العالمية وتحصل على ما يلزمها بأقل تكلفة وأفضل شروط، وهي تستطيع أيضاً أن تمنحها تصنيفاً متدنياً فتغلق أمامها أبواب أسواق المال، وتعاني الأمرّين في الحصول على ما يلزمها من التمويل، ولا يستطيع أحد أن يحاسب هذه الوكالات؛ لأن ما تقوله نصائح وآراء يحميها قانون حرية التعبير!

    وللأسف الشديد فإن وكالات التصنيف الائتماني التي تستحق عن جدارة لقب «وكالات التزييف الائتماني» لا تحركها المسؤولية أو الأخلاق، وإنما تكسب قوتها من الحصول على الرسوم من الجهات المستفيدة من التصنيف وليس من المستثمرين الذين يخاطرون بأموالهم بناء على شهادة حسن السير والسلوك التي تمنحها هذه الوكالات للمقترضين، وباختصار فإن هذه الوكالات تفصّـل التصنيف الائتماني على مقاس الزبون وفقاً لما يدفعه من أموال.

    وبحسب تعبير أستاذ الاقتصاد بجامعة «كولومبيا» الحاصل على جائزة «نوبل» في الاقتصاد، جوزيف ستيجلز، فإن البنوك الاستثمارية المنهارة لم تكن تستطيع أن تمارس الخداع الذي مارسته على المستثمرين لولا خفة اليد التي تجيدها وكالات التصنيف الائتماني التي تحوّل الخردة إلى استثمارات مضمونة.

     

    وليس خفياً على أحد الدور المدمّـر الذي لعبته هذه الوكالات في الأزمة الطاحنة التي اعتصرت الاقتصادات الآسيوية عام 1997 بسبب التصنيفات الظالمة التي منحتها هذه الوكالات للدول الآسيوية، ما حال دون حصولها على التمويل اللازم من أسواق المال العالمية الذي تحتاجه لعملية التنمية.

     

    وللأسف الشديد فإن الشركات الخليجية تجد نفسها مضطرة لأن تسير مغمضة العينين وراء هذه الوكالات عندما تتخذ قراراتها بالاستثمار في الخارج، رغم وجود عشرات الأمثلة على الخداع والتحايل الذي مارسته هذه الوكالات ضد شركات وبنوك خليجية عديدة، ما تسبب في خسائر بالملايين، لأنه ببساطة لا توجد وكالة تصنيف ائتماني عربية واحدة، ومازالت هذه الصناعة حكراً على «الخواجات»، رغم أن وجودها شرط أساسي لنجاح عمل مراكز المال التي تتسابق على إقامتها العواصم الخليجية.
     
    georgefahim_63@hotmail.com

     

     

     

     

     

     

    طباعة