تمجيد الغياب

أحمد السلامي

 

تبدأ الصحف وبقية وسائل الإعلام أواخر شهر ديسمبر المقبل بنشر ملفات عن حصاد العام، وبالتأكيد سترصد الذاكرة الثقافية لعام 2008 رحيل الشاعر الاستثنائي محمود درويش، الغائب الجميل الذي ترك لقصيدته وهج الحضور وجعل من الموت ولادة جديدة لشجرة إبداعه المثقلة بالغناء.

 

ما الذي يمكن احتسابه أيضاً على أجندة عام يوشك على الانتهاء؟

إذا كان لابد من الإجابة، سأختار صدور أعمال الشاعر اللبناني وديع سعادة في مجلد واحد يضم 10 مجموعات تمثل تجربة ملهمة أعلنت عن وجودها منذ السبعينات. ومن المعروف أن سعادة هاجر إلى أستراليا في الثمانينات، وظل بعيداً عن الجغرافيا المكانية للمشهد الشعري العربي، لذلك لم تلق كتبه عناية في التوزيع، ولم يحضر مهرجانات الشعر التي تختمر في كواليسها التحالفات.

 

وانشغل عنه النقاد بالترويج للأسماء المكرسة، وانشغل هو بكتابة قصيدة نثر لصيقة باللحظة ومتحررة من التزامات فنية وموضوعية تئن بعض التجارب تحت وطأتها وتستسلم لمجابهة ما لا يطيق الشعر مجابهته.

 

على المستوى الشخصي تحرر وديع في المهجر من الخوض في السجالات اليومية المتعلقة بالشأن السياسي في لبنان، ولم يدع للنص الشعري سوى الحنين إلى الماضي المفقود وأصداء من ذكريات القرية. وترك للقصيدة أيضاً يومياته وكسله الحكيم ولحظات شروده وتأملاته الدقيقة لكل ما تلتقطه حواس رجل يتجاهل المنفى الاختياري بالغوص في الكلمات لتمجيد الغياب والزهد عن الرغبات.

 

اللافت في تجربته ملمح الاتساق بين مجموعاته الشعرية من جهة انتظامها في مسار حداثي متصاعد يفوق التنظير لاستشراف أبعاد النص الجديد وخصائصه. فحين يحصر النقاد اشتغالات قصيدة النثر في اليومي والهامشي تبدو مقاربتهم لهذه الجزئية مقاربة ناقصة لفشلها في استبطان العلاقة بين تقنية القصيدة وموضوعها، لكن نصوص وديع تقدم لمن يتأملها ما يبرر الاشتغال على الهامش وما يفصح عن العلاقة بين الموضوع وتقنية الإصغاء الرهيف للكلمات وهي تنجز مهمة إعادة بناء الذات.

 

كأنه ولد ليكتب قصيدة النثر بأفقها المستقبلي المتصل بالراهن والحادي لقوافله الشابة.

 

لهذا وجد شعراء الموجة الجديدة للحداثة في قصائده كما في قصائد عباس بيضون وسركون بولص ما أنقذهم من الارتهان لآباء تأسست أبوتهم على قاعدة الأسبقية والريادة المبكرة.

 

لم يختر وديع ولم يقرر أن يكون أباً لأحد، لكن قصيدته هي التي اختارت قراءها، وهي التي اطمأنت للبوح خارج سياق البلاغة السائدة منذ أول نص في مجموعته الأولى «ليس للمساء اخوة» وحتى آخر سطر في أحدث مجموعاته «تركيب آخر لحياة وديع سعادة».

 

 

 

slamy77@gmail.com

 

 

 

 

طباعة