المسكوت عنه

أحمد السلامي

 

 

لكل مرحلة تابوهاتها التي قد نتعايش معها بوعي أو من دون وعي، وقد نجد أنفسنا ونحن نحرسها لتتعملق وتغرس جذورها في تربة واقعنا المتخاذل، وسنجد في ماضينا ومحاذيره ما يبرر لقيود اللحظة سطوتها.

 

لنقل إن التابوهات الجديدة تتسق مع الخطوط الحمر التي جرت العادة على النظر إليها باعتبارها من الثوابت، وليس لدى المجتمعات الراكدة ما هو أسهل من ابتكار الثوابت أو الاستسلام للواقع الذي تفرضه قوى مهيمنة تستطيع إقناعك على سبيل المثال بطيبة الاحتلال المعاصر وحسن نواياه.

 

ربما يمكننا البدء بمناقشة حقيقة ما يسمى بالحرب على الإرهاب، تلك المعركة التي دشنتها واشنطن وحلفاؤها بعد أحداث 11 سبتمبر، وما تلاها من تداعيات جعلت مساحات من خريطة العالم تتحول إلى ساحة حرب يمتلك مبرراتها الخفية والمعلنة طرف واحد فقط، يقاتل شبح الإرهاب الغامض، ويبدو مستمتعاً بإطالة أمد المعركة. لقد تعلم المسلمون أن الأديان السماوية بقيمها وأنبيائها هي الثوابت الوحيدة التي لا جدال حول قداستها، أما الاوهام التي يبتكرها البشر فيمكن مراجعتها، لأنها تستمد مشروعيتها من التقاليد والعادات الاجتماعية المتبدلة ومن أهواء السلطات والإمبراطوريات المتعاقبة التي تقرر المسموح والممنوع بما يتوافق مع بنيتها ومصالحها.

 

يمكن القول إن التابوهات القديمة تتصف بعمق تاريخي واجتماعي يجعلها تبدو مشتركة لدى كل المجتمعات الإنسانية، تستمد ثباتها واختلاف مكوناتها وحدودها بدرجات متفاوتة، تبعاً لتعدد الثقافات والأديان واختلاف الأنظمة السياسية من جهة تطورها التاريخي التراكمي وليس من جهة بريق شكلها الراهن، إلى جانب اختلاف المقاييس والأهواء التي تحدد الحرام والعيب والممنوع. ومع ذلك لايزال الوعي الثقافي العربي يختزل توصيفه للمحرمات وفق سياق تقليدي لم يغادر مثلث الجنس والدين والسياسة.

 

ولكن هل هناك تابوهات جديدة تهيمن على الثقافة العربية اليوم. هذا هو السؤال الذي نتهرب من مواجهته، ولابد أن ثمة خللاً يحدث بسبب تجاهل الخطاب الثقافي الراهن لمراجعة أولوياته ومقولاته، هذا الخلل هو الذي أدى إلى جعل حداثة العمل الأدبي أو جماهيريته تقاس بمدى جرأة الكاتب على إقحام موضوعة الجنس في الرواية الجديدة، وهو ما يفسر ابتعاد بعض الأسماء الأدبية الحديثة عن معالجة واكتشاف القضايا الجديدة المسكوت عنها الآن والتفرغ لكتابة أعمال روائية جلّ همها الخروج بمضمون فضائحي ينتج فرقعات إعلامية بهدف الترويج لها في أوساط عامة القراء.

 

إن مثل هذه الأعمال السردية التي حظيت بأصداء إعلامية واسعة إثر محاولتها مقاربة المسألة الجنسية في بعض مجتمعاتنا لم تسلم من الوقوع في فخاخ المجانية والانفعال وتوظيف الموضوع بطريقة فجة، الأمر الذي يبرر اتهام هذا اللون من الكتابة بالبحث عن الشهرة واستعجالها. 

وبحسب الناقد السعودي محمد العباس فإن بعض نصوص الروائيين الشباب تعمل ضد أفكارها وغاياتها التنويرية المفترضة «لأنها مكتوبة في الغالب من خلال ذوات لم تتمثل الخبرات اللغوية واللالغوية بما يكفي، ومؤسسة في جانب منها على الإثارة والتهييج والتماس الصوري مع العناوين السياسية والاجتماعية الصاخبة».

 
 

slamy77@gmail.com

 

طباعة