مجتمع «الفرجة» العربي

أحمد السلامي

  
تحتشد القنوات الفضائية في رمضان من كل عام بعشرات المسلسلات، وتشير وسائل الإعلام ومنتديات الإنترنت إلى اهتمام الجمهور بمتابعتها بشغف رغم كثافة عددها وتنوّع موضوعاتها. أمام هذا الشغف يمكن القول إن المجتمع العربي «مجتمع فرجة» بامتياز، أحلامه معطلة، وآماله محدودة، ووقته رخيص للغاية، ويعاني فراغات عاطفية ونفسية شاسعة، ويجد في الدراما ملجأً للنسيان ووسيلة للتعويض عن الفشل والهزائم الفردية والجماعية بالتوحد بأبطال الدراما وترقّب مصائر الشخصيات والعيش معها مسراتها وأحزانها.

 
وتعتقد التلفزيونات العربية ومعها شركات الإنتاج أن هذا الشهر هو الأنسب من بين شهور العام لإطلاق سيل الدراما الموسمية.

 

هذه العادة أرساها المصريون منذ سنوات خلت قبل أن تتوالد القنوات الفضائية. وحين كانت مصر تحتكر سوق الدراما كانت محطات التلفزة المحلية تنتظر الإنتاج الذي يتم تعليبه في القاهرة، وظل المشاهد العربي يترقب المسلسلات الجديدة كما يترقب طلوع هلال رمضان. وإلى ما قبل سنوات كان المشاهدون يتوحدون في كل الأقطار أمام الشاشة الصغيرة لمتابعة ثلاثة أو أربعة أعمال درامية حديثة تتخللها بعض البرامج المحلية ونشرات الأخبار التقليدية التي تبعث الملل، واليوم أصبحت الفواصل الإعلانية المزعجة تقوم بهذا الدور.

 

لايزال المشاهد يتذكر عدداً من مسلسلات تلك الفترة التي نجح المصريون خلالها في دمج الأسرة العربية بهموم الأسرة المصرية وتحولاتها الاجتماعية والسياسية، فتخلقت لدى البعض علاقة حميمة بأسماء الأحياء والحارات العتيقة في القاهرة وكأنه يعيش فيها، إلى جانب اكتساب خبرة باللهجة المصرية واللكنة الصعيدية.

 

قدمت الدراما المصرية في بعض تجلياتها صورة مثالية عن المكان وتعامل الناس في ما بينهم بمودة وخفة روح تشيع الرضا والسكينة في الشارع.


أحد الأصدقاء زار مصر أخيراً وفشل في العثور على هذه الصورة، وحين سأل عنها قيل له: اذهب إلى استوديوهات مدينة الإنتاج الإعلامي إذا كنت تبحث عن الأزقة الهادئة وسترى أن الناس الذين يتبادلون تحية الصباح والابتسامات هم مجرد كومبارس في مسلسل جديد.

 

لاتزال الدراما المصرية تواصل حضورها بالاتكاء على التراكم في الخبرات والكوادر المهنية، لكن المشاهد أصبح يمتلك خيارات عديدة في ظل منافسة الدراما السورية وازدهار الدراما الخليجية بشكل ملحوظ.


للسوريين أيضاً تاريخ ممتد مع الدراما، لكنهم لا يراهنون على التراكم وحده لأنه قد يوقع العمل الفني في فخ التنميط والتكرار. لذلك نجحت الدراما السورية في اجتذاب الجمهور وتجاوزت بداياتها بمراحل متقدمة.


أخيراً وبالقياس إلى ركاكة جزء من  الإعلام العربي المرئي يحسب للدراما الموسمية إعادة إحيائها لرموز جميلة في الحياة الثقافية والفنية لها مكانة في الذاكرة الجمعية، من بين هذه الأعمال المسلسل الذي يرصد حياة المطربة الراحلة أسمهان التي جسدت بصوتها الاستثنائي علامة جمالية فارقة في الطرب العربي لن تنسى رغم مشوارها الزمني القصير.



slamy77@gmail.com  
طباعة