لماذا يكسب القراصنة المعركة؟

    جورج فهيم

      
    من المعقول أن تتقاسم الأسرة الواحدة لقمة العيش وتتبادل الملابس بين أبنائها، بينما لا تستطيع أن تتقاسم أو تتبادل البرامج بين أجهزة الكمبيوتر المختلفة التي تملكها في منزلها؛ وذلك لأن شركات تطوير البرمجيات تفرض عليها أن تكون هناك نسخة واحدة لكل جهاز، وهو ما يعني أن على الأسرة أن تخصص ميزانية ضخمة بآلاف الدراهم لشراء النسخ الأصلية التي قد يصل سعر الواحدة منها إلى أكثر من 1500 درهم، وبحسبة بسيطة فإن الأسرة تحتاج إلى ما يقرب من 5000 درهم إذا كان لديها ثلاثة أجهزة فقط، وهذه الميزانية قاصرة على برامج التشغيل فقط من دون البرامج المساعدة!


    ومن المؤكد أننا نتفهم الأسباب والدوافع التي تدفع شركات البرمجيات إلى بذل كل ما في وسعها لمكافحة عمليات القرصنة، لكن مكافحة القرصنة لا يجب أن تكون على حساب التوازن الدقيق بين مصلحة الشركات المطوّرة وبين مصلحة المستهلك الفرد الذي يشكل ما نسبته 60% من السوق.

     

    ولعلّي أتجاسر وأقول إن تحميل المستهـلك أكثر من طاقته هو تشدد في غير موضعه يؤدي إلى نتائج عكسـية، ويدفع الكثـير من المستهلكين إلى اللجوء إلى البرامج المقرصنة، ولعل هـذا هو أحد الأسباب وراء ارتفاع معدلات قرصنة البرمجيات عالمياً، التي قفـزت في عام 2007 بمعدل 3% لتصل إلى 38%، بعد أن ظلت ثابتة طـوال السنوات الأربع الماضية عند مستوى 35%، وهو ما كبّد الاقتصاد العالمي 48 مليار دولار من الخسائر، وفقاً للتقرير السنوي الخامس لمؤسسة «بزنس سوفت وير إلينس».


    وبالطبع فإن هذه الانتكاسة يمكن تفسيرها بعوامل عدة يقع في مقدمها التوسع الهائل في أسواق تكنولوجيا المعلومات والانتشار غير المسبوق للإنترنت، الذي جعل البرامج المقرصنة تنتقل إلى المستهلك في منزله بدلاً من أن يبحث عنها في الشارع. 


    لكن وفي المقابل فإن نسبة كبيرة من الوافدين الجدد إلى سوق البرمجيات المقرصنة هم من المستهلكين البسطاء ممن ضاقوا  ذرعاً، ليس فقط  بارتفاع أسعار البرمجيات، وإنما أيضاً بتحكم الشركات المطوّرة وإصرارها على أن تكون هناك نسخة واحدة لكل جهاز، حتى ولو كان المستهلك يملك أكثر من جهاز، وحتى ولو كان الاستخدام بغير غرض الاستغلال التجاري.

     

    وفي الحقيقة فإن التطور التكنولوجي في مجال البرمجيات أدى إلى انتشارها بسرعة هائلة، من دون أن يصحب ذلك تطور مماثل في سياسات التسعير والترخيص، التي ظلت جامدة ومتشددة أملاً في الانتصار في معركة القرصنة، من دون أن يدري المسؤولون عن هذه الشركات أنهم يولّدون بذلك طلباً لا ينضب على البرمجيات المقرصنة، ويقدمون خدمة للقراصنة لا يحلمون بها.

     


    georgefahim_63@hotmail.com

    طباعة