احتكار مزدوج

أحمد السلامي

 
سمعت إحدى الأمهات تقول: كُنا قبل سنوات نخشى على أولادنا من أماكن اللهو والضياع، وكنا نتفحّص روائح زفيرهم كل مساء من دون أن يشعروا، لنتأكد من حفاظهم على نقاء أرواحهم، فحميناهم من شرور الإدمان وعواقب الانحراف، أما الآن، ويا للعجب، فقد أصبحنا نخشى عليهم من ارتياد بعض المساجد المفخخة بنوع جديد من الدعاة الذين يلقّنون شبابنا أفكاراً متشددة يصعب اكتشاف روائحها في زفيرهم، لكنها تتشبّث بحناجرهم كالسعال مع مرور الوقت، وقد لا يتحرّج أحدهم من البدء بتكفير أفراد أسرته إذا لم ينصتوا له وهو يسرد عليهم قائمة المحرّمات التي حفظها في خمسة أيام على يد معلّم مجهول الهوى والهوية.

 

لقد أجادت هذه الأم المقارنة بين حالتين من الانحراف، تختلفان في الأسباب والوسائل وتتفقان في استلاب إرادة الفرد وتدمير عقله.

 
ويرتكز المتشددون في فهمهم للإسلام على الثقة المطلقة بامتلاكهم للحقيقة واحتكارها من دون الخلق أجمعين، وكل احتكار مذموم، فما بالك حين يستهدف القيم الدينية التي يشترك في تمثلها وتقاسم تجلياتها كل البشر.

 
إن الإشكالية التي تحاصر المجتمعات العربية والإسلامية منذ أمد طويل تتمثل في الاستسلام للواقع المتخلف والصبر على «احتكارات» خارجية وداخلية متعددة، فالغرب يحتكر أسباب التقدم ويمنح نفسه الحق في تحديد مبادئ الحرية وحقوق الإنسان وتوصيف الإرهاب واتهام الآخرين بممارسته، ونحن العرب لم نقصر في توفير الحجج والبراهين التي تبرر للآخر اتهام ديننا وشعوبنا بالتخلف والهمجية.


وبينما يواصل العالم الغربي احتكار شروط التقدم ويتخذها وسيلة للحفاظ على امتيازاته الكونية والحضارية، غرقنا نحن في صراعاتنا العقيمة وفي ممارسة أنواع من الاحتكار الموجّه نحو الداخل، من احتكار السلطة باسم الثورة والجماهير إلى احتكار القيم باسم الدين ومصادرة وعي المجتمع بعقيدته. من هنا نشأ التطرف الأعمى وبدأ يسوّق لوصايته على تفسير النصوص الدينية، وصولاً إلى إعادة صياغة مفهوم الجهاد في الإسلام وتحويله إلى مرادف للفوضى واستحلال دماء الأبرياء.

 

ولا يستبعد المحللون تأثير الفقر والكبت السياسي في ازدهار التطرف الذي يجد فيه بعض الشباب بديلاً مناسباً يفرون إلى أحضانه هرباً من اليأس والفشل وبحثاً عن طريقة مثالية للانتحار.


ولا يخفى أن بعض الحكومات - بما فيها الولايات المتحدة أثناء انتشار المد الشيوعي - أسهمت في رعاية البذور الأولى لهذه التيارات التي استخدمت أيضاً في بعض الأقطار العربية للحد من نفوذ تيارات سياسية أخرى قومية وعلمانية، إلى أن انقلب السحر على الساحر الذي جمع الجن ولم يستطع صرفهم، بدليل ما حدث ويحدث في دول المغرب وبعض دول المشرق العربي ومناطق القبائل الباكستانية وجبال أفغانستان التي تتأرجح السيطرة على أراضيها من دون حسم بين «طالبان» وما يسمى بقوات التحالف، وبعد أيام ستحلّ ذكرى أحداث 11 سبتمبر، الفرصة التي تغتنمها وسائل الإعلام لإعادة بث مشهد تدمير برجي التجارة من زوايا جديدة، لكن المشاهد كلها تود منا أن نظل ننظر إلى أميركا بوصفها ضحية للإرهاب القادم من الشرق الأوسط!   

 


  slamy77@gmail.com  
طباعة