الحرية بالقوة

ياسر الأحمد

«الحرية هي الحقيقة، وهي الحجاب»        (متصوّف)

 

حين أراد الفرنسيون الحصول على الحرية، حصلوا على السلطة أولاً في ثورتهم الشهيرة. وفي أميركا ذهب العبيد ليشاركوا في الحرب الأهلية لينالوا حريتهم، وفي حالات أخرى يزدحم بها التاريخ سيكون الحصول على السلطة المنارة الأعلى لصيحة الحرية. يبدو الأمر متناقضاً، فالحرية تحديد داخلي للإرادة، بينما تنحو السلطة إلى تحديد خارجي للإرادة، وبمعنى آخر تختار الحرية الضعف، بينما تختار السلطة القوة. فكيف يجتمعان؟

 

بقدر ما نستخدم السلطة للحصول على الحرية وتحقيق إراداتنا، فنحن لابد سنستخدم السلطة لكبح جماح الآخرين في ممارسة حريتهم وتحويل إراداتهم إلى واقع على الأرض. وبهذا الشكل تصير السلطة حريةً وقمعاً في الوقت ذاته.

 

أيضاً للحرية معنى جميل نرسمه في خيالنا بألوان زاهية، ولكن ما أن نباشر الحصول عليه حتى نذهب للعنف، وندخل في صراعات البقاء الإنسانية. ولذلك يخاف البعض من الحرية رغم رغبتهم الشديدة بها. فهم وعبر شعور مبهم يحبونها ويكرهونها، يريدونها ويرفضونها، ويستخدمون حججاً كثيرة ليبرروا حذرهم الشديد من الحرية التي يحلمون بها في دواخلهم. فالحرية قد تخترق وحدة المجتمع كما يرونه، وهنا تحضر سلطة المجتمع الرمزية ووحدته، مع أن المجتمع الموحد خرافة لا تصمد أمام النقد والتمعن، والحرية ربما تزعزع الأمن والاستقرار وتثير الفتنة، وهنا تحضر السلطة السياسية، مع أن القمع والتسلط لا يوفران أكثر من سكون الأموات الموهم بالاستقرار حيث ليس سوى موت وتعفن.

 

وللخروج من هذه الدائرة المغلقة نحتاج إلى مفهوم عن الحرية يتفهم حاجتها للسلطة، ويقر بأن الحرية تتغذى سلطوياً رغم أن مفهوماً كهذا يثير الاعتراض والدهشة. فالحرية بالنسبة لنا هي التحرر من القيود في سلوك الفرد، ولكننا هنا نهمل تماماً ما سيحمله هذا التحرر من طاقة وما ستسعى إليه تلك الطاقة من توّسع وسيطرة وتملك، وهي نوازع إنسانية صميمة تحكم سلوك الفرد غالباً.

 

يعتمد هذا المفهوم على قاعدتين مركزيتين، هما أن الحرية قدرة قبل كل شيء، وأن الحرية طاقة توسعية، وممارسة الحرية قد تبدو وللمفارقة أشبه بممارسات الدول الكبرى، فالدولة القادرة تمارس حريتها عبر التوسع في مختلف المجالات. والدولة الضعيفة تمارس حريتها إذا قاومت ذلك التوسع.

 

ربما من أجل ذلك تظهر حريتنا كإرغام للآخرين لينفذوا ما نريده، وحرية المرأة مثال مفيد في ذلك الباب، فمن الناحية الشكلية تتمتع المرأة بمساواة مع الرجل أمام القانون، عدا حالات محددة مرتبطة بتفسيرات متشددة للنصوص، ولكن هذه المساواة الشكلية لا تحقق للمرأة حريتها بالسوية نفسها مع الرجل، والسبب تفاوت القدرة بينهما فعلياً، لأسباب تتعلق بالسلطة أولاً.

 

وفي الناحية الاجتماعية تبرز نظرتان للحرية وعلاقتها بالسلطة، فالبعض يرى أن الحرية ليست سوى إزالة الموانع بين الناس، والبعض الآخر يرى أن الشرط الأهم لممارسة الحرية هو التمكين، فما معنى أن تسن القوانين وتشرع التشريعات إذا لم يكن الفرد قادراً على تجاوز العوائق وكسر حواجز المال والنفوذ والسلطة. في النتيجة، الحرية ليست حقاً سهل المنال كالماء والهواء، هي سلّم صعب الارتقاء وجبل مرتفع القمة. وقديماً لم يأخذ عنترة العبسي حريته إلا بعد قتل وقتال، حين قال: العبد لا يكر فكان الجواب كرْ وأنت حر.

 

ytah76@hotmail.com

 

طباعة