فضل الكلاب

ياسر الأحمد

 

قبل أيام سمعت خبراً طريفاً عن فتوى بتحريم التنزه مع الكلاب والقطط في الأماكن العامة. ليس هذا جديداً، فالمزاج الديني لا يحبذ هذه الحيوانات خارج إطار «الضرورة».لن أعترض فأنا أيضاً لا أتعايش مع الحيوانات الأليفة حتى تحت قيود الضرورة. هذا مزاج شخصي في النهاية.

لكن الخبر ذكرني بعنوان طريف لمحتوى طريف أيضاً، هذا هو كتاب «فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب» لمحمد بن المرزبان. يبدو العنوان مستفزاً بعض الشيء، فتخصيص كتاب لتأكيد فضل الكلاب على الإنسان أمرٌ لافت. ولكن مبررات المؤلف أقل تميزاً، فهو يأخذنا إلى «أسطوانة» التشكي من الزمان، وهي مما يجيده المثقفون عادةً، وقلة الأصحاب برأيه تدفعنا دفعاً إلى صحبة الكلاب أو الحيوانات عموماً.

 

منذ الغراب الأول كان الإنسان والحيوان في علاقة ملتبسة، مرة يعبد الإنسان حيواناً ما، مرة يكون ثوراً أو صقراً وأحياناً يكون تمساحاً أو خنفساء. وحتى الفأر وجد من يعبده في الهند، لكن الفكرة الكامنة تبقى واحدة في كل الأحيان، فهذا الحيوان يصبح النموذج الكامل لقيمة ما، كالوفاء أو الخصب أو القوة.

 

ولأنه نموذج كامل فإنه أكثر تأثيراً حين يضحى به في الطقوس الدينية المختلفة، كفداء يحل محل الإنسان.

 

الحيوانات أيضاً قدمت عبر الأدب والفن كرموز جمالية خالصة، فرمز الرشاقة الأكمل في الأدب الكلاسيكي كان الغزال. وهذا اشتقاق آخر من طقوس التقديس.

 

 لذلك كانت علاقة النص الأدبي بالحيوان علاقة غنية فعلاً، فإبراهيم الكوني يروي لنا قصة الرجل الذي يتوحد مع جمله في الصحراء حتى يموتا معاً حباً . وكتاب الحكم الشهير «كليلة ودمنة» يختار أن يوصل رسائله الوعظية عبر الحيوانات، وهذا ما قد يلجأ إليه الآباء أثناء تربية أولادهم، فاختيار الحيوان وسيلةً للتربية يجعل القصة أكثر قرباً من عالم الطفل عموماً. أليست رواية «أليس في بلاد العجائب» إحدى أجمل ما أبدعه الأدب، عبر اختيار الأرنب «كبطل لغوي» مليء بالرموز؟

 

لكن جانباً آخر يتجلى في احتقار الحيوان يمكن ملاحظته في الأمثال والتشبيهات الدارجة، وأقسى درجات الشتائم تأتي في باب التشبيه بالحيوان، ولجورج أورويل روايته الشهيرة «مزرعة الحيوانات» التي يسخر فيها من المجتمعات الشمولية عبر اختيار نماذج حيوانية تحاول أن تتأنسن فتختار أسوأ ما في الإنسان. وكافكا يختار مسخ إنسانه إلى مجرد صرصار، في انتقاده الأعنف للحضارة الغربية.

 

من جهة ثانية نجد روائياً يختار تحويل بطله الكاتب الشهير «أحمد الصافي» إلى كلب يمشي في الأزقة عقاباً له بعد أن باع قلمه إلى جنرال. وهذا قاسم حداد يعنون أحد كتبه «ما أجملك أيها الذئب» وكأنه يحذو حذو جده الفرزدق حين كتب عن ذئب شاركه عشاءه بكل كرم وأريحية. كثيرة هي الحجج التي يسوقها الجاحظ في كتابه «الحيوان» مفضلاً الكلب على الديك مثلاً. وكأنه يعرف أن للإنسان شركاء في هذه الأرض لا نستطيع الحياة من دونهم ولو قليلاً.

 

  

ytah76@hotmail.com
طباعة