نجومية محمود درويش

أحمد السلامي

 

برحيل الشاعر الكبير محمود درويش تُطوى مرحلة مهمة من تاريخ الشعر العربي، ظل خلالها درويش يتمتع بنجومية استثنائية لدى الجماهير والنخب في آن واحد. مرت تجربته الشعرية بتحولات عكست مقدرته على التجدّد المستمر، فحين أحسّ بأن القضية تحاصر قصيدته، ابتكر قاموساً مختلفاً لمحطته الشعرية التالية، فارتقى بالقصيدة وبذائقة المتلقي العربي ودرّب القراء على استيعاب انتقالاته النوعية، وقاوم في أمسياته الحاشدة رغبة الجمهور في استعادة «سجّل أنا عربي» وغيرها من البدايات الحماسية التي تجاوزها، ولم يبقَ أسيراً لشعبيتها الطاغية.

 

ترتكز تجربته على الغنائية والبعد الإيقاعي في قصيدة التفعيلة، لكنه لم يتمترس خلف الإيقاع المجاني للكلمات، ففي أعماله الأخيرة يتحول الإيقاع إلى هامش تتقدمه الصورة الشعرية بالتماعاتها الذكية.

 

احتكر جمهور الشعر وهيمن على ذائقة أجيال عدة، لكنه في المقابل فتح أمام جمهوره نوافذ عدة للتلقي، وسمح لضوء الكلمات والمعاني الإنسانية الجميلة بالدخول إلى بهو قصيدته، حتى صارت أشبه ما تكون بقصيدة نثر موزونة منذ استضافته لروح قصيدة النثر في محطته الشعرية الأخيرة.

 

 كما أن حضور القضية في نصوصه لم يعد ملمحاً يعكس شخصية شاعر القضية الأول، بقدر ما يعكس شخصية الشاعر الإنسان، المعنيّ بعذاباته الخاصة في اشتباكها بعذابات الوجود برمّته، وهنا يكمن سر تجدده وخلود تجربته التي سنظل بحاجة لفترة من الزمن كي نتأملها بعيداً عن الحضور المؤثر لشخصيته على المنصة، وبعيداً عن طريقته الساحرة في الإلقاء. لقد كان صوته لصيقاً بشعره، لدرجة أنك حين تقرأ له كتاباً جديداً لا يمكنك إلا أن تستدعي حباله الصوتية وإشارات أصابعه في الهواء.

 

إن رحيله وهو يتربع على قمة الشعر يجعله أبرز شاعر عربي حصد نجومية لم يسبقه إليها شاعر معاصر، باستثناء الراحل نزار قباني، واللافت في تجربة درويش أنه أستطاع أن يوازن بين تحولاته الشعرية وحفاظه على نجوميته، وهذه معادلة صعبة للغاية، إذ إن الشعر فن نخبوي يتطلب من الشاعر الاختيار بين تصفيق الجمهور والقصيدة بأفقها المتجدد، لكن درويش اختار القصيدة والجمهور معاً، واشتغل بذكاء على تطوير نصه الشعري، من دون أن يقطع صلته بالماضي، فأنجز نقلة شعرية جوهرية رسّخت مكانته في المشهد الشعري العربي.

 

 

اتكأت تجربة الراحل كذلك على استيعاب واقعي للخطاب النظري للحداثة، الأمر الذي جعل قصيدته تنساب على مهلها لتخلق حداثتها الخاصة. لهذا السبب ظل درويش قريباً من القارئ العادي ومدهشاً للقارئ النخبوي، كما ظل على انسجام مع ذاته وتحولات وعيه بالقضية الفلسطينية التي امتزجت بهواجسه وكينونته الإنسانية، فأصبح ينظر إليها من زاوية مختلفة أتاحت له الاحتكاك بشعرية اللحظة الراهنة التي نلمح ظلالها تتماوج في أعماله الشعرية الحديثة؛ حيث الجملة الشعرية المبنية خارج هيمنة إيقاع التفعيلة.

 

يقول في «أثر الفراشة»: شال على غصن شجرة. مرَّت فتاةٌ من هنا، أو مرّت ريح بدلاً منها، وعلَّقت شالها على الشجرة. ليس هذا خبراً. بل هو مطلع قصيدة لشاعر متمهِّل أَعفاه الحُبلا من الأَلم، فصار ينظر إليه ـ عن بعد ـ كمشهد طبيعةٍجميل .
 
slamy77@gmail.com
 

 

طباعة