هي أضرحة

ياسر الأحمد

 

«نحن لم نحدث، لأن أحداً لا يتذكرنا»، هذه جملة من إحدى روايات هنري ميلر، كانت أول ما خطر ببالي حين عرفت بوفاة محمود درويش. قلت في نفسي سيحدث هذا الشاعر باستمرار، لن ينقطع حدوثه أبداً، ففي كل يوم سيتذكره عاشق أو ناقد أو مقاوم.

 

لكن الفكرة الثانية التي خطرت ببالي كانت «ضريحه»، كيف سيكون وأين؟ هل ترك وصية حول هندسة الضريح ومكانه، وهو مهندس الكلمات في قصائده. بدا لي لوهلة أن هذا أيضاً فعل مقاومة أخير يقوم به، ألم يقل ذات أمسية «كل إبداع هو ضرب من المقاومة. فالجميل يقاوم البشاعة، وقصيدة الحب هي فعل مقاوم للكراهية، وشعر السلام الداخلي والطمأنينة هو فعل مقاوم للحرب، يجب أن نوسع مفهوم المقاومة بحيث يشمل كل فعل يقوم به الإنسان لتحقيق بهجته وإنجاز بحثه الخاص عن حريته. وليس فعل مقاومة الاحتلال فقط. لذا أرى أن كل شعر إنساني عميق وجميل هو فعل مقاوم بالمعنى الشامل للكلمة».

 

بهذا المعنى يكون الشكل والمكان المميز لضريحه خطاً من خطوط المقاومة بالمعنى الجمالي، وهو الباحث عن أدق التفاصيل الجمالية في نصه الشعري. ربما لكل ذلك أطلق بعض أصدقائه، ومنهم سليم بركات ومارسيل خليفة والياس خوري، نداءً ليدفن في الجليل «يحق لابن الجليل وشاعره أن يدفن في أرضه، ويجب أن لا يقوى أحد على منع هذا الفلسطيني العظيم من العودة الأخيرة إلى بلاده. هذا نداء موجه إلى الجميع، كي نعمل معا من اجل أن تستعيد الأرض جسد كلامها، الذي صار شعرًا عظيماً كتبه شاعر عظيم».

 

فرمزية الأضرحة تندرج باعتبارها تجسيداً للحضور المستمر في المكان، هي نوع من الرغبة في السيطرة على المكان مختلطة بتقديس الأسلاف. فحضور جسد درويش في الجليل قد يحمل رمزية انتصار صغير على الاحتلال. كما أن غياب الضريح عن مكان ما يعني اختفاء تأثير صاحبه عن ذلك المكان. ولذلك كان أول ما حدث في بغداد بعد سقوطها تدمير معالم ضريح ميشيل عفلق.

ولأن الرمزية تستطيع سكب الدماء في كل مكان، هرول العراق نحو الحرب الأهلية بمجرد تدمير «أضرحة الأئمة» في سامراء. فالمهتمون تلقوا الحدث باعتباره إهانة موجهة لهم أو عدواناً على أجسادهم حتى.

 

ثم ألم تقم الحروب الصليبية على نداء بسيط جداً حول «ضريح»، وتاج محل والأهرام ليست سوى أضرحة جمالية في نهاية الحسبان، بنيت رغبة في استمرار حضور فكرة معينة على مر الزمن، وقد كان.

 

لذلك كله، كنت أتمنى لو يدفن الشاعر في الجليل، فهذا مكانه الأكثر رمزية والأكثر تجسيداً لفلسطينه الشعرية.

 

ألم يطر مع العصافير في الجليل!

  

ytah76@hotmail.com
طباعة