رجل يقول إنه أنا..

أحمد السلامي

 
في مجموعته الشعرية الثالثة التي صدرت أخيراً بعنوان«رجل في الخارج يقول إنه أنا» يبدأ الشاعر طه الجند بكسر الرتابة من العنونة، بتخليه عن الثنائيات اللفظية التي دأب البعض على استخدامها بإفراط.

 

وهو في هذا العمل يعبر عن انتمائه لأفق شعري متجاوز، وكان قد مهّد لهذه الانتقالة منذ مجموعته الثانية «أشياء لا تخصكم».


يحن في نصوصه إلى القرية وإلى حكمة الراعي وهو يمضي متأملاً خلف القطيع، وفي مقابل ذلك الحنين يحضر المزيد من القلق واليأس الذي يمشي بجواره على رصيف المدينة.


ينتمي طه الجند لجيل التسعينات الذي لا يحفل بتجارب الأجيال السابقة، إلا إذا وجد فيها ما يعزز رؤيته التي تتخذ من اللحظة الراهنة مرجعية لكتابة القصيدة.

 

يجمع في نصوصه بين السخرية والتهكم والحزن، ويقفز على تنظيرات النقاد لقصيدة النثر، بعد أن اكتوى في بداية تجربته بنار التصورات الجاهزة حول الشعر ومقاييسه الصوتية، لذلك يظهر في نصوصه الجديدة راصداً لوقائع هامشية تنأى عن المتن الذي ينشغل به الآخرون.


يستسلم لصوته الداخلي ولمخاوفه وهواجسه التي يسردها بلغة بسيطة، ويحاول العثور على شعرية ممكنة للنص لا ترتهن لنماذج تؤطر الشعر دون أن تتمكن من احتواء منابعه التي تتيح لكل شاعر العثور على نبعه الخاص. والنبع الذي يستقي منه طه الجند قصيدته يتمثل في التلقائية والكتابة بلغة المشافهة. لكن الاعتماد على التلقائية وحدها قد لا يخدم الشاعر في بعض الأحيان.


وبسخرية ممزوجة بالأسى يرصد ضياع الأنا وتراجع مكانة الشاعر في المجتمع المعاصر، وحين يحاول التشبث بذاته يتماهى مع الطبيعة:
«إما أن تكون غصناً تحط عليه العصافير ..
وإما أن تكون في حزمة الحطاب ..».

 
في كل كتاب شعري يمكن العثور على نص محوري يهيمن على بقية النصوص ويتفوق عليها، وفي هذا العمل نقرأ نصاً بعنوان «أنا خائف يا أمي» يقول في أحد مقاطعه:
«الراعي الصغير لم يكبر، ولم يتغرب بعد. 
أنا خائف يا أمي من وشوشات الليل
من رجل في الخارج يقول إنه أنا..».
يكرر هذا المعنى في نص آخر:
أنا الأب الذي وقع دون قصد.. دعوني أمضي معكم أيها الصغار
أنا ولد يتيم مثلكم.. أبكي في الليل خلف الجذع الذي في دمي، خلف السرحان الذي نحرثه..
تعالوا ننطلق مع القمر، نمتطي الدواب المحجلة، نرسم ما يكفينا من جهات.. من ليلكم نتعلم الخجل، بعيونكم نرى مطر الأعالي.

 

 slamy77@gmail.com   

طباعة