بورصة البشر

    جورج فهيم


    قبل أن يلقي التحية، قدَّم لي نفسه على الهاتف على أنه الدكتو «أ.غ» استشاري الجراحة العامة وزميل كلية الجراحين البريطانيين الملكية في لندن، قائلاً إن لديه معلومات مهمة بخصوص مقال «مافيا تجارة قطع الغيار البشرية» الذي كتبته الأسبوع الماضي، ولكن بشرط واحد وهو ألا أذكر اسمه صراحة أو أنسب إليه حرفاً واحداً مما قال.

     

    وقبل أن أرد عليه بالرفض أو القبول اندفع قائلاً: «هل تعلم أن قطع الغيار البشرية تباع الآن في مزادات على «الإنترنت» وفقاً لقوائم أسعار معلنة تبدأ من 5000 دولار لقرنية العين و20 ألف دولار للكلية و40 ألف دولار للكبد و50 ألف دولار للرئة و60 ألف دولار للقلب، وهذه الأسعار غير شاملة أتعاب الأطباء الذين يجرون الجراحة أو مصاريف الإقامة والسفر.

     

    وقبل أن يتغلب عقلي على مشاعر القشعريرة التي بدأت تسري فيه، أضاف أن «دولاً مثل روسيا لديها قوانين تنص على أن جسد المواطن ملك للدولة، ويجب تسليمه إلى السلطات بمجرد حدوث الوفاة، أما الصين فإنها تحدد طريقة تنفيذ الإعدام في المساجين وفقاً لنوع قطع الغيار البشرية المطلوبة، فالإعدام يكون برصاصة في رأس السجين عندما يكون القلب أو الرئة أو الكلية بيت القصيد، أما إذا كان المطلوب قرنية العين فإن الإعدام يكون برصاصة في الصدر. وعندما يكون جلد السجين مطلوباً في عمليات التجميل والترقيع يتم سلخه.

     
    وقبل أن أستفيق من صدمة الوحشية، روى لي محدثي قصة نشرتها الصحف الأميركية عن شاب استيقظ ليجد نفسه في «بانيو» مملوء بالثلج في غرفة بأحد الفنادق في نيويورك، وعلى جانبه الأيسر أثر لجرح حديث، وبجواره قصاصة ورق صغيرة كتب عليها «شكراً لتبرعك بكليتك!».

     

    وعندما أدرك محدثي أن رغبتي في الاستماع أكبر من رغبتي في التعليق، مضى قائلاً: «الأكاديمية الأميركية الطبية تعكف الآن على صياغة بنود «عقود آجلة» تتداول في البورصات يفوّض البائع بموجبها سمساراً لبيع العضو المتفق عليه عندما يكون السعر أعلى ما يمكن، أو وفقاً لسعر محدد سلفاً وعلى أن يذهب ثمن الصفقة إلى الورثة إذا انتهت عملية الاستئصال بالوفاة.

     

    وعندما شعر محدثي بالإحباط الذي سببه لي قال بلهجة ساخرة: «إنه يبدو أن الدول الفقيرة لم يعد لديها ما تبيعه سوى أجساد شعوبها، وأن كثيراً من الفقراء الآن ينظرون باطمئنان إلى المستقبل أكثر من أي وقت مضى، ويرفعون شعار «البيع هو الحل» للخروج من مشكلات كثيرة تبدأ من مصاريف إطعام الأسرة، مروراً بتعليم الصغار، وانتهاء بتجهيز الأبناء للعرس. وقبل أن ينهي حديثه قال لي بلغة الواثق: «إن الطب سيخلق استخدامات جديدة لقطع الغيار البشرية غير المستغلة حالياً، وإن هناك فريقاً من الأطباء يرى أن العالم عليه أن يعترف بأن الأعضاء البشرية سلعة، ويجب أن تباع علانية مثلما يباع أي شيء آخر بدءاً من الحيوانات المنوية والبويضات وانتهاء بالأجنة.

     

          
    georgefahim_63@hotmail.com

    طباعة