جدارية العادي

ياسر الأحمد

      
في دمشق القديمة أشياء كثيرة تشد الانتباه، لكني لا أملّ من مشاهدة الجدارية التي تطل على صحن الجامع الأموي. فرغم أنها لا تحتوي سوى تزيينات نباتية مختلفة  لنهر بردى يخترق دمشق، إلا أنها بألوانها وبهجتها تكاد تسحر الناظرين. وهذا ليس غريباً فالكثير ممن شاهد هذه الجدارية أعجبته، لكنني لا أعرف لماذا يتبادر إلى ذهني نمط آخر من الفن الجداري، هو «جـداريات الحج» فاهتمام النـاس الشديد بهذا الطقس الديني جعلهم يسعون لتخلـيده عـبر الرسم على الجـدران استقـبالاً للعائدين. 

 

ولأن الفنان والحاج يكونان عادةً من عامة الشعب، فما يُرسم يستحق الملاحظة، إضافة إلى أنه ترسيخ لطقس قديم في تزيين البيوت بالرسوم المحلية. فنحن نستطيع ملاحظة سرد قصير لقصة الحج على الحائط. مع عبارات الأدعية والتفخيم من الشأن الاجتماعي للحاج. ويمكن أن نجد في بعض الأحيان نوعاً من شكاوى الغلاء أو شعارات سياسية ما، دون توسع بالطبع.

 

ولن نستغرب إذا عرفنا أن الجداريات خلَّفت لنا بعض أهم الأعمال في تاريخ الفن، فلوحة «العشاء الأخير» لدافنشي هي لوحة جدارية رسمت في كنيسة. 

 

وهذا ينطبق على مجمل لوحات مايكل أنجلو الشهيرة، لكن تاريخ الجداريات «العادية» أقدم بالطبع، فالإنسان الأول حفر هواجسه ومخاوفه على الجدران. وجزء مهم من التاريخ القديم  حُفظ على جدران المعابد والقصور.


في العصر الحديث تمت إعادة إحياء فن الجداريات عبر ما سُمِّي بالمدرسة المكسيكية التي رسّخها الفنان الشهير دييغو ريفيرا، فهذا الفنان اليساري أطلق هذا الفن من جديد، مستلهماً حياة العمال والناس العاديين في وطنه. ومستفيداً في ذات الوقت من حضارات المكسيك القديمة. 

 

الطريف أنه وهو الفنان الماركسي قد رسم لوحات جدارية لعتاة الرأسماليين في أميركا كشركة «فورد» مثلاً. والأطرف أن لوحاته مليئة بالتفاصيل المختلفة بحيث لا نجد فراغاً واحداً. بينما يستغرق الفراغ نصف جداريات الحج مثلاً. فالفن الجداري يستهدف بطبيعته الفراغ في المكان، فحيثما وجد مكان فارغ كان مشروعاً للوحة جدارية.


وبمساهمة من هذا الفنان المكسيكي وُلد ما سُمي بالفن الشعبي الذي يمكن أن نجده في الشوارع وعلى الجسور وفي محطات المترو. 


وهنا تتراوح الجداريات بين البساطة والتعقيد. فالجمهور المستهدف عادةً هو الجمهور العادي الذي يتصادف مروره في المكان. ولكن هذا لا يدفع الفنان إلى الاستسهال دائماً. فهناك سوية فنية في فن الجداريات دائماً.

 

قبل سنوات حاولت إحدى المدن الأميركية تنظيف جدرانها عبر تأهيل مَن يخربها. أقيمت دورات لهؤلاء الشباب ومنحوا فضاءً خاصاً بهم، فكانت النتيجة جمالاً يستحق الاهتمام.

 

وفي أحد مشافي الأطفال بالإسكندرية جدارية موجّهة لهم بالذات عبر شخصيات الكرتون المفضلة. هذا نموذج من جمهور الجداريات.
 
 
ytah76@hotmail.com 
طباعة