قصّ ولصق

أحمد السلامي

   
عندما ابتكر النقاد مصطلح «التناص» وجد فيه بعض لصوص الكلمة تبريراً مناسباً للسطو على الأعمال الأدبية للآخرين، ولم يعد لدى هؤلاء فرق بين التناص و«التلاص»، وكانت السرقات الأدبية في الماضي تقتصر على انتحال معنى شعري أو شطر من قصيدة، فيقال وقع الحافر على الحافر او تواردت الخواطر، أما اليوم فقد تفاجأ باستيلاء أحدهم على قصيدتك، لتجدها منشورة باسمه في مدونته على «الإنترنت» أو في أحد المنتديات الإلكترونية، ويتكاسل اللصوص الجدد حتى عن إعادة الاشتغال على النص، وفي معظم الأحيان يكتفي المنتحل بتغيير العنوان وحذف اسم الكاتب الأصلي.

 

وبفضل انتشار المواقع الأدبية على الشبكة، لم يعد هؤلاء بحاجة إلى التنقيب بين صفحات الكتب، لأن أصابعهم قد تدربت جيداً على استخدام خاصية القص واللصق وانتقاء ما يروق لهم سرقته بسهولة ويسر.

 

ومع مرور الوقت تتهاوى صدقية الشبكة العنكبوتية وتنعدم الثقة بمحتواها، وهذا ما ألمح إليه بعض المشاركين في الندوة التي أقامتها دائرة الإعلام والثقافة في الشارقة قبل فترة. ورغم اتساع نطاق استخدام «الإنترنت» للحصول على المعلومات بمختلف تشعباتها، فإن الأكاديميين يشككون في إمكانية اعتبار المواقع الافتراضية مرجعاً معتمداً في الأبحاث المنهجية.

 

ولا تزال حقوق الملكية الفكرية في المنطقة العربية مجرد شعارات وبخاصة في الفضاء الإلكتروني، كما أن الفجوة الرقمية بين العالم الثالث والغرب لا تزال تلقي بظلالها على مستوى تعامل المستخدم العربي مع «الإنترنت» على أكثر من صعيد.

 

ولا يقتصر استخدام خاصية القصّ واللصق على هواة السرقات الأدبية، فمن يتابع المواقع الثقافية والإخبارية العربية، سيكتشف مدى تشابه المحتوى وتجاهل الإشارة إلى المصادر التي ينقلون عنها. كما يتواطأ أصحاب المواقع والمنتديات فيما بينهم على تبادل سرقة المحتوى.

 

ومن الناحية التقنية نجد أن بعض الشركات التي تدعي التخصص في تصميم المواقع، تخدع الكثيرين بتسويقها لقوالب تصميم جاهزة تكرس نمطية الشكل، وتتجلى هذه النمطية بوضوح في تشابه قوالب المنتديات والمجلات الالكترونية.


من جهة أخرى نجد المتحمّسين لتأسيس نوافذ الكترونية جديدة، لا يفكرون في إبراز خصوصية تميّز شكل مواقعهم ومضمونها، بل يضعون امامهم نماذج سابقة ويحاولون مجاراتها، وتنتشر ظاهرة الاستنساخ والتشابه بدرجة متساوية بين المواقع النخبوية والشعبية.

 

ويمكن القول إن المشهد الثقافي العربي، قد تمكن حتى الآن من تجسيد ملامحه السلبية والايجابية، ونقلها إلى العالم الافتراضي، والفارق الوحيد بين المشهدين الواقعي والافتراضي، أن الثاني يعكس حضوراً مكثفاً للطفيليين الذين يجيدون إشاعة الضجر والملل لدى الآخرين.

 
قبل فترة تقدمت أديبة ساخرة إلى المنصة في أحد المهرجانات الثقافية للتعريف بالشاعر الذي سيحيي الأمسية، واستطردت في سرد أبرز محطات تجربته الشعرية، وحين وصلت إلى سرد أهم المجلات التي نشرت له، قالت على سبيل الدعابة «كما ان شاعرنا ينشر قصائده في أكثر من ألف موقع إلكتروني»، وليس في هذه الدعابة مبالغة إذا ما علمنا أن بعض الثقلاء المهووسين بذواتهم، أصبحوا يجدون في الإنترنت وسيلة مثالية لإشباع رغباتهم في حب الظهور وفي تكريس حضورهم بإلحاح عبر نصوص مكررة ينشرونها في كل مكان مصحوبة بصورهم البهية.   

 


 slamy77@gmail.com  

طباعة