لعيونك يا ديمقراطية

ياسر الأحمد

 

في فترة سابقة كان الحديث عن الاشتراكية، وقدراتها الخارقة، وجمال عيونها، ورشاقتها في حل المشاكل، وطلعتها البهية في ظلام الأزمات. وتماماً وبالطريقة السحريةنفسها، يتم الحديث اليوم عن «الديمقراطية»، وصوتها الرخيم، وخصرها الرشيق، وأناقتها في اختيار فساتين سهرتها، وبكل البساطة والتبسيط تصبح الديمقراطية سراً خفياً يوضع في أضعف الخلق «الشعب العربي». هذه النظرة التقديسية لفكرة ما، أو لأسلوب من أساليب علاج المعضلات تحول الحل نفسه إلى مشكلة، فالفكرة كما يراها محبوها، والحب أعمى، وسيلة لإطالة الأزمة بدل حلها.

من أهم أبجديات الديمقراطية الاعتراف بنسبيتها، وبمدى هشاشتها عند مواجهة السلطة، وصلتها القوية بما هي نظام حكم بالمال، واحتكارها لمنافع السلطة بحجة «الأغلبية»، ومن الأبجديات الاعتراف بأن الديمقراطية هي شكل من أشكال الصراع على السلطة في المجتمع، وإن لبس أزياء التسامح، واتشح بوشاح الحرية.

 

في مجتمعاتنا العربية تتقلص النزعة الفردية إلى أدنى حدودها، وتشيع الممارسات الجماعية بديلا مأمون العواقب، وهنا نحتاج إلى البحث عن تسويغ للممارسات الجماعية، ومحاولة تفهمها، وصياغة بدائل لها، وهذا أكثر أماناً من الناحية الاجتماعية.

 

تقدم الديمقراطية نفسها خيارا عقلانيا مناسب، ولكن لو حاولنا أن نحاكم العقل بناءً على سلوكه لوجدنا أنه يقدم أمثلة مخجلة، كالحروب والعنصرية والاستغلال، وبالتالي فمن الأفضل لو تنازل هذا العقل عن كبريائه وأعلن أنه اختيار واحد ضمن اختيارات متنوعة، كالإيمان، والرغبات والنزعات الشخصية، والتفضيلات الفردية، وسيطرة البيئة في كثير من الأحيان.

 

من أهم طرق تحويل الديمقراطية إلى خلطة سحرية فاشلة أن نضع لها هدفاً سامياً وعاليا

ومستحيلاً، كتحقيق العدالة أو المساواة أو هزيمة إسرائيل، فنحن بذلك ننسى أنها شرط لبناء مؤسسة تحاول تحقيق الأهداف بأقل قدر ممكن من الخسائر ،وبالتالي فهي نظام لتحقيق المنافع والتبادل وتقليص التفاوتات بأقل قدر ممكن من كلفة الخسارة، وهذا يعني أنها ليست مغارة علي بابا الشهيرة، ولن تأخذنا عبر البساط السحري إلى عوالم زاهية وملونة وتلفزيونية جدا. إذا، هل الأمر بكل هذه السوداوية؟ وهل الديمقراطية كذبة كبيرة؟ وهل نستطيع ترسيخ مفاهيم تجعل الخسارة أقل ما يمكن اجتماعيا وسياسيا؟ تجارب الآخرين تقول: نعم، نستطيع تقليل الخسائر، ولكن عبر تقديم صياغة واقعية وملائمة لمشاكلنا.
 
مثلا، يعتقد البعض أننا نذهب لننتخب، وبعد معرفة النتيجة فكل ما على الفائز فعله هو ممارسة الاستبداد باسم حقه في الأغلبية، وبالتالي فرض رؤيته في حل المشاكل، وهذا التصور لا يختلف كثيراً عن أي تصور استبدادي، فيمكن فرض الرأي بالقوة ودون اللجوء للانتخاب. لكن الديمقراطية تتميّز عن أنظمة الحكم الأخرى بقدرتها على تقليل خسارة الطرف المغلوب، ومنحه فرصة أخرى لتوضيح مواقفه، واللجوء إلى طرق التعبير لشرح وجهات نظره.

 

هل انتهى عرس الديمقراطية القصير في العالم العربي؟ سؤال ربما كان جوابه شديد الألم في نفوسنا.

 

 

ytah76@hotmail.com
طباعة