كفالة الأطفال

د. أحمد الإمام

 

تنامت ظاهرة التبنّي بشكل لافت للأنظار، وأصبح كثير من الأزواج يقومون باستقبال أطفال يملأون شعورهم بالفراغ وحاجتهم إلى الإنجاب، وأسر أخرى تسعى للإحسان وفعل الخير، فيضمون صغاراً إلى أسرتهم لإسعادهم ومسح دموع اليتم عن عيونهم.

 

أشكال الكفالة متعددة ويمكن تصنيفها ضمن أربع حالات مختلفة؛ أولاها كفالة طفل من الأقارب كأن تكفل الخالة ابن أختها أو تكفل العمة بنت أخيها أو أي قرابة أخرى، أسرية أو أحياناً علاقة الجوار أو الانتماء القبلي أو العشائري. ينبغي أن تنتبه الأسرتان الكافلة وتلك التي تهب طفلها أن لا تكون العلاقة مجرد مقايضة بين الأسرتين على مصلحة مادية، أو تلبية لرغبة جامحة بالحصول على طفل، دون الأخذ بعين الاعتبار درجة الاستعداد النفسي للأسرة المستقبلة لرعاية الطفل رعاية كاملة وغير مشروطة.

 

 

يجدر تنمية أواصر المحبة والتعاون بين الأسرتين والوصول إلى تحقيق واقع التكافل الأسري والتضامن والتعايش في جو عائلي موَسّع يضم أعضاء الأسرتين، وتمكين الطفل من العيش بواقع الرعاية ضمن أسرة كبيرة يربطها الحب والوفاء والتعاون؛ وذلك لتفادي كل السلبيات التي قد تهدم ما تم بناؤه. ونذكر على سبيل المثال شعور الطفل بانسلاخه عن أسرته الأصلية وإخوانه وأخواته، بسبب انقطاع العلاقة وتعوّده على نمط عيش مختلف، فإما أن يشعر الطفل بنفور نفسي أو صعوبة في التواصل مع أفراد أسرته الأصلية، أو قد يرفضه إخوانه بسبب شعورهم بتميزه عنهم أو سيطرة مشاعر الغيرة لتوافره على مظاهر مادية أو عاطفية لا ينعمون بها؛ كما قد يحدث غير ذلك كله، عندما يكبر الطفل وتنمو لديه ضغائن تجاه أهله، حيث يقتنع بأنهم تخلوا عنه، ويتساءل لماذا وقع عليه الاختيار دون بقية إخوانه لتسليمه لأسرة قد تكون قد عرضته لسوء المعاملة أو الاضطهاد؛ وفي حالات بعض الفتيات يتم تسخيرهن كخادمات صغيرات تحت غطاء الكفالة واستفادة الأسرة الأصلية من ذلك مادياً أو الخضوع للضغوط النفسية لبعض الأشخاص الذين يفرضون ما يريدون عنوة دون مراعاة لمصلحة الطفل.

 

أما الحالة الثانية من أشكال الكفالة فهي كفالة اليتيم المعروف الأبوين، المتوفى والده أو والدته أو كلاهما وعدم قدرة الوالد أو الوالدة على رعايته. يعاني هذا الطفل من صدمة الموت وآلام الفراق بسبب الوفاة، لذلك يجب على الأسرة الاهتمام بهذا الجانب لاحتوائه، وبذل كل الحب والحنان والصبر والعطاء لتمكين الطفل من تجاوز هذه المحنة التي كتبت عليه. الصعوبة الإضافية عن نوع الكفالة السابقة الذكر، تتمثل في ضرورة الوعي بمضامين شخصية الطفل الذي تعرض لصدمة في مراحل نموه الأولى ومحوها، كما يلزم سلوك أسلوب الوضوح بخصوص أسرة الطفل الأصلية.

 

ثالثة حالات الكفالة وهي أصعبها، كفالة الطفل المجهول الأبوين، حيث يلجأ الأبوان الكافلان إلى إخفاء الحقيقة؛ فيخيم على حياتهم هاجس انكشاف الأمر عندما يكبر الطفل ويصدمه بالحقيقة باقي أعضاء الأسرة أو زملاؤه. لا مناص من التعامل مع الطفل بشفافية ووضوح تام وتعويده على التعامل مع واقعه بكامل الإنسانية وتحفيزه لمعاني الانتماء الحقيقي القائم على الولاء العاطفي والعلائقي. غالباً ما يسعد الطفل عندما يرى فعلياً أن أهله يحبونه ويبذلون طاقاتهم لإسعاده.

 

آخر نوع الكفالة المؤسسية، حيث تشرف المؤسسة الخيرية على تربية ورعاية الأطفال ويمكن دعم جهودها من طرف أسرة مرافقة لتطورات الطفل، ويمكنها استقباله في أيام العطل والأعياد وبعض المناسبات وتتبع كل تفاصيل نضجه إلى أن يصير في سن تسمح بالاندماج في هذه الأسرة دون صعوبات كثيرة.

 

كفالة الأطفال مظهر من مظاهر التضامن والتكافل الاجتماعي والرقي الحضاري، شرط أن يتم تنظيمها ووضع الضوابط المواكبة لواقع المتغيرات المجتمعية.

طباعة