الماسك على الجمر

ياسر الأحمد

 

ينطبق المثل الشهير «الماسك على الجمر» على العلاقة بين المثقف والسلطة بشكل كبير، فهذه العلاقة تراوح بين الالتباس والوضوح، حداً يجعلنا نرى الجمرة وقبضة اليد دون أن نعرف أيهما المثقف وأيهما السلطة.

 

يتجسد هذا القول في تصورنا الخاص عن المثقف وعلاقته بالسلطة كما يفترضها البعض، وهم خصوصاً من يعتبرون المثقف شخصاً حراً لا ينتمي إلى مؤسسة خارج أفكاره، ولا يقبل وصاية تفرضها عليه السلطة مهما كان شكلها. وهذا التصور عن المثقف يكاد يمعن في المثالية، حتى ينعدم مثاله في أرض الواقع.

 

لو راجعنا التاريخ العربي لوجدنا أمثلة فاقعة على امتزاج المثقف بالسلطة السياسية والدينية، فابن حزم وابن زيدون والجاحظ والمتنبي كانوا أسلوباً محبباً لدى الحكام في تزيين البلاط وتطعيم رجال الحاشية بنماذج مثقفة. لكن هذا ليس حكماً عاماً فأبو حيان التوحيدي «كمثال» خرج نسبياً من هذه الدائرة، ولكنه ابتعد بعد أن امتزج بها فترة من الزمن بكل حال حتى كتب كتابه الجميل «الإمتاع والمؤانسة» في مرضاة أحد الوزراء.

 

تثبت هذه الأمثلة أن التصور الوردي عن المثقف ليس دقيقاً، وأن هذا التصور يحتاج لمراجعة تبدأ من تصورنا لدوره بداية، فهل هو المثقف النظري؟ أم هو المثقف العملي؟ هل يحق للمثقف أن يتدخل في قضايا لا تهمه، أو لا يستطيع إبداء الرأي فيها بشكل تخصصي محترف، ترى أليس من الأجدى لو كان كل منا ضمير ذاته فقط؟ لماذا نقدم بعض المثقفين ليكونوا نواباً عن ضمائرنا ؟ أليس هذا نوعاً من التواكل الذي يودي بنا إلى تعطيل ضمائرنا الشخصية.

 

لكن أليس من الصحيح القول إن المثقف ينفرد بقدرته على مواجهة هذه السلطات، ومقارعتها الحجة بالحجة.

 

يروى أن عبدالناصر طلب مشاهدة الفيلم السينمائي «شيء من الخوف» ومن ثم سمح بعرضه، هنا مشهد ملتبس في العلاقة بين السلطة والمثقف، فالمثقف يقدم عملاً لا توافق عليه السلطة في مستواها الأول، لترتفع الحدة في الصراع إلى المستوى الأعلى، الذي يشاهد الفيلم، ثم يقدم وعبر اجتهاد شرعي ما يشبه الفتوى الدينية بعرض الفيلم.

لماذا احتاج المثقف إلى مزاج القائد الخاص ليعرض إبداعه؟

 

لفهم ذلك علينا أن نعي أن المثقف يسعى ليكون سلطة بديلة، ويعرض أفكاره ويمارس حضوره وكأنه «سلطة العقل» مقابل «منطق القوة»، وهو بذلك يريد التأثير في المجتمع، ولأنه يعتبر سطوته أكثر أهمية فهو يرفع من قيمة أفكاره ويعتبر أنها الشرعية للسلطة السياسية، وستبرر ممارساتها، وإذا اعتبرنا رجل الدين مثقفاً بحكم اهتمامه بقضايا ذات طابع نظري، فهو الحليف الأكثر احتراماً من السلطة في أوطاننا العربية. فهو وهو فقط من يخلص قبضة اليد من الجمرة ويضعها في الماء لتصير برداً وسلاماً على سكان الباب العالي.

 

 

ytah76@hotmail.com
طباعة