العولمة في شارع «فيصل»

    جورج فهيم


    شارع «فيصل» من أشهر شوارع مصر، ليس فقط لأنه ورث عن حقبة من أزهى عصور العلاقات العربية اسم المغفور له الملك فيصل ـ العاهل السعودي الراحل ـ وإنما لأنه نموذج حقيقي للشارع العربي في عصر العولمة أيضاً، فعلى جانبي الشارع اختفت المحال التقليدية العتيقة، وظهرت بدلاً منها عشرات المحال التي تبيع الكمبيوتر والموبايلات إلى جانب الخبز وعلب الكبريت! ورغم أن شارع فيصل يتعامل بمفردات لغة ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ويعيش إيقاعات عصر العولمة، إلا أن الصورة على السطح تبدو مختلفة تماماً عن حقائق الواقع التي تختفي خلف الأنوار الباهرة واللافتات الضخمة والعبارات الفضفاضة.

     

    ولقد اصطدمت بهذا الواقع المرير عندما احتجت إلى مطالعة بريدي الالكتروني الذي فصلني موسم الإجازات عن متابعته لفترة طويلة، وقادتني رحلة البحث عن مقهى للإنترنت إلى فصول من الفكاهة المريرة عبر أشخاص لم تسمع آذانهم هذه الكلمة من قبل، أو أشخاص انتهت علاقتهم بهذا النوع من المقاهي، بعد أن تجاوزت مرارة الواقع قدراتهم على التحمل فتحولوا إلى بيع العيش (الخبز) بدلاً من خدمات الإنترنت! والأرقام ترسم صورة هزلية لهذا الواقع المرير، فعدد مستخدمي الإنترنت في العالم العربي كله لن يتجاوز 43 مليون مستخدم بحلول نهاية عام 2008، وفقاً لأحسن تقدير، وحجم الصفحات المنشورة باللغة العربية على الشبكة العالمية لا يتجاوز 2% فقط من مجمل المحتوى العالمي، رغم أن عدد سكان العالم العربي يتجاوز 300 مليون نسمة، وحسب الأرقام أيضاً فإن نسبة 65% منهم لا يعرفون اللغة الإنجليزية التي تمكنهم من مطالعة كنوز المعلومات التي تفتح عيونهم على موقعهم على خريطة العالم.

     


    وفي واقع الأمـــر فإن أمماً أخرى، في مقدمتــها الصين، استطاعت تطوير تجربة فريدة في المساهمــة في تشكيل حركة تبادل خلاصة الفكر الإنساني العالمي عبر الإنترنت، وتجاوز عدد مســتخدمي بعض المواقع الصينية 200 مليون مستخدم، بل وأصبح بعضها لاعباً رئيساً ينافس أباطرة صناعة الإنترنت في الغرب والتي تقدر بمليارات الدولارات.

     

    وليس هناك شك في أن رأس المال العربي، وبصفة خاصة الخليجي، يملك مفتاح الحل بخلق الحوافز لدى الأفراد والشركات لنشر ما يتوافر لهم من كتب ومطبوعات وأبحاث، وتشجيع البحث عن المعلومات، ليس فقط للاستفادة من السوق العالمية الهائلة للإعلان على الإنترنت، وإنما لوضع المساهمة الفكرية العربية في المكانة التي تليق بها في الفكر الإنساني. 
      georgefahim_63@hotmail.com

    طباعة