التاريخ الموازي.. «الإسبيرين» مثلاً

ياسر الأحمد

 

هناك دائماً طُرُق متعددة لسرد الحدث التاريخي، يمكننا أن نتحدث عن معارك هانيبال في روما من وجهة نظر أهل قرطاجة، باعتبارها وسيلة للتخويف أكثر منها رغبة في القضاء على روما. ولذلك كان الدعم الموجه لجيشه قليلاً ما أدى لسقوط قرطاجة ذاتها في ما بعد.

ومن وجهة نظر الرومان يبدو هانيبال بربرياً آخر يحاول إسقاط حضارتهم العظيمة، وبفضل شخصيتهم المقاتلة فقط، تمكنوا من إلحاق الهزيمة به.

 

نستطيع أيضاً تصور تاريخ موازٍ لم يحدث أصلاً، فماذا لو استطاع العثمانيون السيطرة على فيينا عاصمة النمسا، واجتاحوا أوروبا في ما بعد؟ كيف سيتغير وجه التاريخ كله نتيجة لحدث واحد؟

 

لكن هناك أيضاً طرقاً أخرى لرواية التاريخ عبر سرد «بروفايل» إذا صح التعبير، سرد جانبي يهتم بانتقالات مفهوم ما كالجنون أو الوطنية، أو تحولات سلعة ما كالخشب. وعبر قراءة التاريخ الآخر يمكن استنتاج أجزاء الصورة الكبيرة. قد نفهم سبب بعض الحروب بفهم تاريخ سلعة كالبهارات مثلاً، أو نعرف شره الأوروبيين للاستعمار بتتبع سيرة القهوة.

 

وتأريخ منتج كالحرير سيساعدنا في رسم العلاقات بين الشعوب والحضارات في العصور الوسطى. تحت هذا التصنيف يندرج كتاب «الإسبرين قصة استثنائية لعقار أعجوبي»، وسنستغرب إذا عرفنا أن الإسبرين كان علاجاً مأموناً حتى في عصر الفراعنة، وهم أثبتوا امتنانهم لهذا العقار في مقاطع خاصة ضمن بعض البرديات الطبية. فهم يوجهون صلواتهم الصادقة لشجرة الصفصاف مصدر مادة الإسبرين. بدأ الإنتاج التجاري للإسبرين عبر مصادفة طريفة، فعبر بحوث علمية خاصة بالأصباغ وإنتاجها تجارياً، كان الإسبرين  يتولد كمادة يجب التخلص منها لعدم صلاحيتها. والصدفة البحتة جعلت أحد الصيادلة يستخدم الإسبرين لعلاج مريض مصاب بالحمى، دون أن ينتبه لغلطته. وبهذا الشكل تم تداول الإسبرين تجارياً في ما بعد. وقد تبدو هذه التفاصيل هامشية في الصورة العامة وهذا يصح نوعاً ما، لكنه سيفيدنا في فهم حقيقة أن التاريخ ليس قدراً لا يمكن التصرف فيه دائماً.

 

تاريخ الإسبرين سيذهب بنا نحو حروب تجارية بين شركات الأدوية، ورغبتها في احتكار الأدوية بأسعارها العالية كما يحدث اليوم مع أدوية الإيدز والسرطان وأنفلونزا الطيور. فالصراعات الاقتصادية بين الشركات الألمانية والبريطانية كانت مدخلاً للحرب العالمية الأولى. وتاريخ براءة اختراع الإسبرين مثال على ذلك. ومن اللافت أيضاً طريقة الشركات في ترويج منتجها، ففي الأجزاء النائية من جنوب شرق آسيا كان موظفو المبيعات يقطعون المسافات بالقوارب الصغيرة والخطرة، ليصلوا إلى نقاط بعيدة في الريف بهدف ترويج بضاعتهم. كانت تلك ثقافة عمل مثمرة دوماً.

 

بين الإسبرين والإنسان تاريخ من الألم وطرق التخفيف منه.

 

ترى لو استطعنا صنع تأريخ خاص للأدرينالين في مواجهة لحظة حب صادقة. ماذا سيبقى من الإسبرين في المقابل في مقاومة صداع نصفي أطقته امرأة «نكدية».

 

 

ytah76@hotmail.com
طباعة