«الاحتلال الصيني»

    جورج فهيم

         
    عدت إلى قريتي في أقصى صعيد مصر فوجدت أطفال القرية يرقصون في الشوارع ويرددون كلمات أغنية غريبة تقول «الصين احتلتنا والوهم باعتنا وختمت على باب بيتنا». 


    ولما استفسرت من شيوخ القرية عن سر هذه الأغنية الغريبة قالوا لي إنهم استيقظوا منذ فترة على شوارع القرية غير المعبدة وهي تغص بباصات سياحية ضخمة تنقل جيوشاً وجحافل من الباعة الصينيين من كل شكل ولون ليبيعوا لأهل القرية كل شيء وأي شيء، بدءاً من تجهيزات الأعراس وفقاً للتقاليد المحلية، ومروراً بالأجهزة الإلكترونية، وانتهاء بــ «الطشوت» التي يغسل فيها أهل القرية ملابسهم!

     

    وما فعله الباعة الصينيون في قريتنا فعلوه في القرى والنواحي المجاورة، وكأنهم يعرفون جيداً لمن هم قادمون، وما هي البضائع التي يحتاجها هؤلاء القاطنون في أقصى الطرف الآخر من الكرة الارضية، ولأي غرض يستخدمونها، إلى آخر هذه المعلومات التي لا غنى عنها لأي بائع ماهر يعرف زبائنه وأسواقه.


    ولم أفاجأ عندما علمت أن هناك أحياء سكنية كاملة في القاهرة تشبه المستعمرات يسكنها الباعة الذين ينسقون في ما بينهم جمع المعلومات وتبادل الزبائن وتحقيق التكامل بين منتجات أكثر من 352 شركة صينية تعمل في مصر وتسعى للاستفادة من سوق تضم أكثر من 80 مليون شخص.


    ولا أعتقد أن المشهد الذي رأيته في قرى مصر يختلف كثيراً عما هو موجود في أي قرية أو مدينة عربية أخرى على امتداد العالم العربي، الذي أصبح يحتل مركز القلب في استراتيجيات الشركات الصينية، التي استثمرت أكثر من ستة مليارات دولار في  الدول العربية خلال عام 2007 فقط!

     

    ولا غرابة في أن حجم التبادل التجاري بين الصين والدول العربية زاد في العام الماضي بنسبة 30% عما كان عليه في العام الذي سبقه ليصل إلى 59 مليار دولار، وسيقفز إلى 80 مليار دولار بنهاية عام 2008، ومن المتوقع له أن يتجاوز 100 مليار دولار بحلول عام 2010، لكن وللأسف الشديد فإن صادرات 22 دولة عربية إلى الصين لا تشكل سوى أقل من 2% من هذا الحجم، وأغلبها يتركز على البترول والأسمدة.


    وفي الواقع، فإن المعجزة الاقتصادية الصينية لم تغير مفردات لغة الحياة اليومية للمواطن العربي فقط، وإنما أحدثت تغييرات جذرية في مجمل الاقتصاد العالمي، ليس فقط على صعيد التجارة والاستثمار والتسويق والتكنولوجيا، وإنما أيضاً على صعيد  الفكر الاقتصادي الذي يحكم مبادئ التجارة الدولية.


    وللأسف الشديد فإن المسؤولين عن التجارة في العالم العربي غير مدركين بعد لحجم الفرص الاقتصادية التي تفتحت مع استيقاظ التنين الصيني، الذي حوّل ميزان القوى الاقتصادية في العالم من الغرب إلى الشرق، جاعلاً بكين أهم من واشنطن ولندن وعواصم أخرى كثيرة.  

     
     georgefahim_63@hotmail.com
    طباعة