أسانيد طرفي النـزاع في ميزان القانون الدولي

وثيقة تنشر لأول مرة تؤكد رفض الحكومة البريطانية التفسير الإيراني لألوان خريطة سالزبوري المهداة إلى شاه إيران عام 1888 .

 

استبان لنا في الحلقة الماضية «البند أولاً» كيف ان القضاء الدولي لا يعير اهتماماً لدعاوى الحق التاريخي الموغلة في القدم، طالما ان سلسلة هذا الحق قد انقطعت بسيطرة قوى اخرى على الإقليم المدعى بوجود حقوق تاريخية فيه؛ وهو ما يعني استحالة اتكاء طرفي النزاع (ايران والإمارات) على هذا السند، نظراً لانقطاعه بسيطرة العديد من الدول الاستعمارية ليس على الجزر الثلاث فحسب وانما على منطقة الخليج برمتها. الا ان اصداءً لحق اماراتي قائم على فكرة التدعيم التاريخي، تبدو واضحة في مجمل وظائف الدولة التي مارستها على الجزر (تشريعياً، وقضائياً، وإدارياً، وسياسياً)، والتي سنتعرض لها فيما يلي:-

 
ثانيا: التدعيم التاريخي للحق
إن قراءةً متأنيةً للقرارات والأحكام التي صدرت في عدد من المنازعات الحدودية والإقليمية، ستقودنا إلى نتيجة مهمة مفادها أن فكرة التدعيم التاريخي للحق  تتجلى بصورة واضحة في أسانيد السيادة الإماراتية على الجزر الثلاث. ذلك أن الحقائق التاريخية تدل على وجود تعزيز تاريخي عربي، تنامى بصورة متدرجة عبر حقب طويلة من الزمن، تمخض عنه تأسيس سيادة إماراتية على الجزر الثلاث.

 

ففي المراسلات التي تبودلت بين الشيوخ القواسم على ضفتي الخليج العربي، وكذا الوثائق البريطانية المختلفة، ما يؤكد على متانة الأواصر التي كانت تربط هذه الجزر بالساحل الغربي العربي من الخليج، وعِظَم أهميتها الاقتصادية لكل من رأس الخيمة والشارقة، ناهيك عن الروابط الاجتماعية والسياسية الوثيقة التي كانت قائمة بين سكان الجزر وأهليهم وسلطاتهم في الإمارتين. 

 

كما أن أدلة الانتفاع والحيازة الفعلية لدولة الإمارات، والتي من ضمنها إنشاء المرافق الحكومية على هذه الجزر وإدارتها، واستخدامها كمراعٍ ومراكز للصيادين ومرافئ لسفنهم، وكذلك الترخيص للشركات والأشخاص باستغلال ثرواتها الطبيعية، فضلاً عن رفع الأعلام وتعيين الممثلين الحكوميين؛ كلها أعمال سيادية تمت على نحو متدرج، وبصورة متوالية ومستمرة لفترات طويلة ومتباينة من دون اعتراض من الحكومات الأخرى. ما خولها سند حق تعزز وتوطد خلال مدة طويلة من الزمن تقرب من 250 عاماً.

 
ثالثاً: الجوار الجغرافي
وفقاً لأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، فإن تقرير سيادة الدولة الساحلية على بحرها الإقليمي، يمنحها حق السيادة على الجزر الواقعة فيه، باعتبار الجوار قرينة على السيادة. ما يعني أن هذا الجوار يُعـد ـ من باب أولى ـ قرينة على سيادة الدولة الساحلية على الجزر الواقعة في مياهها الداخلية، بغض النظر عما إذا كانت تمارس اختصاصها الإقليمي على هذه الجزر من عدمه، أو أن على أرضها -أي الحزر- وجوداً إنسانياً مستمراً، أو كانت غير آهلة بالسكان.

 

على أنه يتعين عدم أخذ الأحكام السابقة على إطلاقها. إذ يُشترط لإصباغ سيادة الدولة على الجزر الواقعة داخل بحرها الإقليمي أو مياهها الداخلية، عدم تمكن دولة أخرى من تقديم ادعاء أعلى أو أولى، بوجود سند حق قانوني معتمد يؤكد خضوع الجزر لسيادتها.

 

ففي النـزاع البريطاني الفرنسي على جـزر مينيكويرز وإيكرهوس  Minquiers & Ecrehos قضت محكمة العدل الدولية، في قرارها الصادر عام 1953، بسيادة بريطانيا على هذه الجزر رغم قربها من الساحل الفرنسي لمسافة تقل من 12 ميلاً بحرياً، وذلك لما ثبت لديها من قيام بريطانيا بمباشرة مظاهر سيادتها الفعلية والمنتظمة عليها فترة زمنية طويلة.

 

وفي النزاع اليمني  الإريتري على جـزر زقر   حنيش، قضت هيئة التحكيم في حكمها الصادر عام 1998، بعدم حاجة إريتريا إلى أن تطلب منها إصدار قراراً يقضي بسيادتها على جـزر ( هايكوكس ) Haycocks الواقعة في نطاق بحرها الإقليمي، لأنها تعتبرها جزراً إريترية، ولكن ليس بسبب قربها من الساحل الإفريقي، أو لوقوع بعضها داخل المياه الإقليمية لإريتريا، وإنما لأن اليمن أخفقت في إبراز سند حق أرجح يثبت خضوع هذه الجزر لسيادتها.


أما فيما يتعلق بالقيمة القانونية لفكرة الجوار أو القرب الجغرافي خارج نطاق البحر الإقليمي والمياه الداخلية للدول، فيمكن استنبطاها من أحكام القضاء الدولي التي تناولت هذه الفكرة في عدد من المنازعات الإقليمية.


ففي قضية جزيرة بالماس palmas عام 1928، دفعت الولايات المتحدة الأمريكية بأحقيتها في السيادة على الجزيرة نظراً لقربها الجغرافي من جزيرة مينداناو Mindanao الفلبينية ـ التي كانت خاضعة آنذاك للسيادة الأميركية ـ بمسافة تُقدر بـ48 ميلاً بحرياً فقط، بينما تبعد عن جزيرة نانوسا Nanusa التي كانت تابعـة لهولندا، مسافـة تصل إلى 51 ميلاً بحـرياً. ما يعني ـ في رأي أميركا ـ أنها تقع ضمن النطاق الجغرافي لأرخبيل الجزر الفلبينية، وبالتالي افتراض خضوعها للسيادة الأميركية من خلال مستعمراتها في الفلبين.

 

إلا أن القاضي ماكس هوبر Max Huber الذي تولى التحكيم منفرداً في هذا النزاع، رفض الدفع الأميركي لتأسيس السيادة على هذه الجزيرة بقوله: «على الرغم من أن الولايات المتحدة قد أشارت إلى عدة ظروف تدل على أن الجزيرة لها علاقات قوية مع سواحلها (في مستعمرة الفلبين) بسبب وضعها الجغرافي، فإن من غير الممكن أن نجد قاعدة في القانون الدولي تقرر أن الجزر الواقعة خارج المياه الإقليمية، تتعلق بالدولة لمجرد أن إقليمها يمثل أرضاً مترابطة Terra   Firma ».


كما يمكن تعزيز الأحكام السابقة بحقائق الأوضاع الإقليمية القائمة في عدد من مناطق العالم. فعلى سبيل المثال، تخضع جزر فوكلاند ضُفَل أو (مالفيناس) الواقعة في المحيط الأطلسي، لسيادة المملكة المتحدة التي تبعد عنها مسافة تصل إلى ما يقرب من 12865 كيلومتراً، بينما لا تبعد عن سواحل الأرجنتين سوى 643 كيلومتراً.

 

ويتضح مما تقدم من أحكام، أن القانون الدولي، رغم إقراره سيادة الدولة الساحلية على بحرها الإقليمي لمسافة تمتد 12 ميلاً بحرياً، باعتباره يمثل قسماً من إقليمها الذي تغمره المياه وبالتالي سيادتها على الجـزر الواقعة فيه، إلاّ أن ما يمكن استنباطه من تلك الأحكام أيضاً هو عدم الاعتداد بالجوار، سواء أكانت الجزر محل الدعوى واقعة في البحر الإقليمي أو حتى في المياه الداخلية للدولة الساحلية، وذلك إذا ما تمكنت دولة أخرى من إسقاط قرينة هذا الجوار بأدلة وبراهين قانونية تثبت قيامها بممارسة وظائف الدولة بصورة منتظمة على الجزر المتنازع عليها.

 

كما تبدى من الأحكام سالفة الذكر، أن الجوار أو القرب ـ سواء أكان في نطاق البحر الإقليمي أو خارجه ـ لا يرقى لتأسيس سند حق مستقل لاكتساب أو إثبات السيادة على الجزر المتنازع عليها، وإنما يمكن النظر إليه باعتباره عنصراً ترجيحياً يمكن توظيفه لصالح أحد طرفي النـزاع في حال تساوي الأدلة التي بحوزتهما، فضلاً عن كونه قرينة تقبل إثبات العكس.

 

وقياسا على ما سبق، فإنه على الرغم من وقوع جزيرتي طنب في منطقة بحرية قريبة من المياه الإقليمية لإيران، إلا أنهما تقعان خارج مياهها الداخلية، فضلاً عن بحرها الإقليمي المحدد بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 بـ 12 ميلاً بحرياً، وهو ما تؤكده الحقائق والمعطيات الجغرافية وكذلك المراجع الإيرانية التي تشير إلى أن أقرب منطقة برية إيرانية إلى الجزيرتين هي جزيرة قشم الوقعة على مسافة 17 ميلاً من جزيرة طنب الكبرى، بينما تقع جزيرة طنب الصغرى على بعد سبعة أميال غرب طنب الكبرى.


ونستبين مما سبق، صعوبة الاعتداد بادعاءات إيران القائمة على مبدأ الجوار أو القرب الجغرافي، طالما ظلت عاجزة عن إبراز أدلة وبراهين تضاهي في قيمتها القانونية ما قدمته دولة الإمارات من حجج وسندات حق مكنتها من دحض قرينة الجوار وإثبات سيادتها على الجزيرتين.

 

كما يتعذر ـ كمبدأ عام ـ التسليم بفكرة الجوار أو القرب الجغرافي كأداة لتقرير المسائل المتعلقة بالسيادة الإقليمية، لما يترتب على تطبيقها من مخاطر، في حال اتخذتها بعض الدول مطية لتحقيق أطماعها التوسعية، أو الادعاء بوجود مبررات أمنية تُشرع الاحتلال؛ ولا أدل على ذلك مما تدفع به إيران من مبررات استراتيجية وأمنية لتسويغ احتلالها الجزر الإماراتية الثلاث.

 
الخارطة التي اهدتها وزارة الحرب البريطانية لشاه ايران عام 1888 وقد ظهرت فيها الجزر الثلاث بلون الساحل الفارسي. 
 
 

وثيقة بريطانية تنشر لأول مرة تعود لتاريخ 1928 تنفي الصفة الرسمية لخريطة اللورد كيرزون وخريطة الهند المسحية اللتين أظهرتا الجزر الثلاث بلون الساحل الفارسي. 

 

ثالثاً: الاحتلال بذريعة المصالح الاستراتيجية

تسعى إيران إلى تحقيق السيطرة العسكرية والاستراتيجية على مضيق هرمز والخليج العربي برمته، وتشكيل مظلة أمنية بمشاركة الدول الخليجية لمواجهة أميركا وحلفائها، الذين ترى فيهم عدواً يحاول لجم طموحاتها في فـرض الهيمنة والتفوق السياسي والاقتصادي على دول المنطقة؛ وذلك ما يفسر تمسكها بالجزر الثلاث ذات الموقع الاستراتيجي والاقتصادي المهم، ورفضها الدعوات المتكررة من قِبَل دولة الإمارات لإيجاد حل سياسي أو قانوني للنزاع بشأنها.

 

إلا أن ما يجدر بيانه هنا، أن إيران لم تكن بدعاً من الدول في الأخذ بفكرة المصالح الاستراتيجية والأمنية لتسويغ التوسع الإقليمي على حساب الحقوق السيادية للدول الأخرى. 

 

فعلى سبيل المثال، شكل الموقع الاستراتيجي، الذي يتمتع به الجولان السوري، وعلى وجه التحديد جبال الحرمون أو جبال الشيخ، التي تتعدد قممها المشرفة على فلسطين المحتلة، بارتفاع يصل إلى نحو 2814 متراً، سبباً مباشراً في إقدام إسرائيل على احتلاله، وذلك تحت ذريعة أن موقعه المهم يعطي سورية ميزة الإطلال على معظم أراضي فلسطين، وما يمكن أن يترتب على ذلك من مخاطر أمنية وعسكرية تهدد وجود الدولة الإسرائيلية.  وكذلك الأمر بالنسبة لمنطقة طابا المصرية، التي كان لموقعها الاستراتيجي المتميز على خليج العقبة، دور حاسم في استماتة إسرائيل لإبقائها تحت سيطرتها، لولا إصرار مصر على استردادها، وتمكن فقهاء القانون الدولي المصريون من دحض مزاعم إسرائيل، واستعادة حقوق مصر كاملة على تلك المنطقة أمام هيئة التحكيم التي شكلها الطرفان للفصل في النـزاع. 

 

رابعاً: القيمة القانونية للخرائط الجغرافية

الدقة الفنية والوضوح واتساق البيانات، عوامل مهمة تَتَحَدد بموجبها القيمة القانونية للخريطة. ذلك لأن توافر هذه المزايا من عدمه، يمثل منطلقاً للقاضي أو المحكّم لتقرير مدى إمكانية اعتبارها دليلاً من أدلة الإثبات في النـزاع المعروض أمامه، أو إهمالها وعدم الاعتداد بها من أول وهلة، أو في أحسن الأحوال إضعاف قيمتها الاستدلالية إلى مرتبة الدليل الاحتياطي الذي لا يمكن التعويل عليه إلاّ في حالة غياب الدليل الأصلي.


ولا شك أن الدقة الفنية تتوقف على توافر عدة شروط أهمها: صحة البيانات الواردة في الخريطة، وحجية المصادر المستقاة منها، ومقياس الرسم الذي أعدت به. وهو ما يعني افتقار الخرائط الجغرافية التي أظهرت الجزر الثلاث بلون الساحل الفارسي، إلى الموضوعية والحجية وقوة الإثبات، وذلك من نواح عدة.

 

فقد أثبتت المصادر الإيرانية ذاتها، أن أغلب هذه الخرائط صدر خلال القرنين الـ18 والـ19، إلا أنه من المعلوم أن الخرائط الصادرة في تلك الحقب من الزمن يتسم جُلها، إن لم يكن كلها، بالغموض وعدم الدقة الفنية، خصوصاً أنه كان يتم تلوينها في مرحلة لاحقة على رسمها.

 

وهو ما أشارت إليه هيئة تحكيم جزر زقر ـ حنيش بين اليمن وإريتريا عام 1998، حين قضت بأنه «. . . من المتعذر تفسير التلوين الخاص بخرائط صدرت خلال حقب زمنية كان يتم فيها تثبيت الألوان على الخرائط في مراحل تالية على إصدارها. . ».

 
وأيضاً ما تضمنه القـرار الصادر عـن محكمة التحكيم الخاصة بالنزاع الحـدودي بين جـواتيمالا وهندوراس عام 1933، حيث قضى بأن «. . . الخرائط، بما فيها الخرائط الرسمية، على الرغم من وجوب أخذها بعين الاعتبار عند النظر في إثبات الوقائع محل النـزاع، فإن قيمتها تتضاءل وقد تنعدم، عند عدم دقة المعلومات المبينة على الخريطة، فضلاً عن عدم وضوح مصدرها . . .».


ومن جانبنا نرى أن الخرائط الإيرانية تعتريها العيوب سالفة الذكر. فلم يتسن لأية جهة رسمية أو متخصصة التيقن من دقتها، ووضوح بياناتها، ومقاييس الرسم التي أعدت بها، وما إذا كانت تتضمن الإشارة إلى مصدرها، أو توقيع محررها. وهي شروط مهمة ولازمة للنظر إلى الخريطة كأحد أدلة الإثبات.

 

كما يتعذر على إيران حسم مسألة السيادة على الجزر الثلاث اعتماداً على ما تحوزه من خرائط جغرافية ـ مهما بلغ عددها ـ بمعزل عن أية أدلة أخرى قد تتوافر لديها، خصوصاً في ظل استعداد دولة الإمارات لتقديم أدلة وأسانيد قانونية موثقة تُثبت سيادتها على هذه الجزر فترة زمنية طويلة.

 

ففي تحكيم جزيرة بالماس بين هولندا والولايات المتحدة الأميركية عام 1928، قدمت هذه الأخيرة ما يقرب من 1000 خريطة صادرة في أزمنة مختلفة، توضح جميعها ـ باستثناء ثلاث منها ـ خضوع الجزيرة للسيادة الأميركية، إلا أن القاضي ماكس هوبر حفٍّ بِّقمْ الذي تولى الفصل في النـزاع منفرداً، قرر أنه «. . . إذا ثبت لدى القاضي وجود عناصر قانونية ذات صلة بموضوع النـزاع تتناقض مع معلومات وبيانات واضعي الخرائط الذين لا تُعرف حقيقة مصادر معلوماتهم، فإنه لا يمكنه منح أية قيمة أو وزن لهذه الخرائط في الإثبات مهما كان عددها».

 

ولما كانت الخرائط الإيرانية قد صدرت خلال القرنين الـ18 والـ19 ولم يثبت ارتباطها ـ بصورة عضوية أو شبه عضوية ـ  بأية معاهدة أو اتفاقية تمت بين طرفي النـزاع على الجزر الثلاث، سواء أكانت بين إيران وبريطانيا ـ باعتبار أن هذه الأخيرة كانت الدولة الحامية للإمارات المتصالحة ـ أو بين إيران وبين إمارتي رأس الخيمة والشارقة، فإن من الصعوبة بمكان تصنيف هذه الخرائط ضمن طائفة الخرائط الرسمية التي تُلحق بالسند المنشئ للحدود، وهو ما يعني خلوها ـ على افتراض توافر كل شروطها الفنية ـ من أية قيمة قانونية تُمكنها من حسم النـزاع منفردة.

 
فالخرائط الإيرانية عبارة عن خرائط منتقاة من دول ومؤسسات لم يثبت استمرارها في إصدارها بصورة متواترة ومتكررة فترة طويلة من الزمن، وهو شرط مهم من شروط منح الخريطة حجية الإثبات في القانون الدولي.

 

كما أن تلك الخرائط ـ باستثناء خريطة وزارة الحرب البريطانية لعام 1888 ـ لم تصدر عن طرف يتنازع مع إيران السيادة على منطقة حدودية أو إقليمية، وإنما أصدرتها دول ومؤسسات خارجية. وحتى تلك الخرائط التي أصدرها أشخاص ينتمون بشكل أو بآخر إلى الجانب البريطاني، فهم في نهاية المطاف لا يمثلون أطراف النزاع، ولم تكن أعمالهم تعبيراً عن وجهة النظر الرسمية للحكومة البريطانية، بما فيها خريطة اللورد كيرزون لعام 1892، وخريطة الهند المسحية لعام 1897، اللتان خلعت عليهما إيران الصفة الرسمية، على الرغم من نفي بريطانيا ثبوت هذه الصفة في وثائقها الرسمية.

 

ويؤكد ذلك ما تضمنته إحدى الوثائق الصادرة عن وزارة الهنـد (البريطانية) بتاريخ 24 أغسطس 1928، والتي جاء فيها «إن الادعاءات الإيرانية بجزر أبوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، استناداً إلى خريطة اللورد كيرزون غير الرسمية لبلاد فارس عام 1892، والتي لونت الجزر بلون الساحل الفارسي، بالإضافة إلى الخريطة المسحية للهند عام 1897، لا يمكن الاعتداد بهما، نظراً لدأب الحكومة البريطانية على إبداء رفضها للادعاءات الفارسية في الجزر قبل وبعد التواريخ المذكورة ».

 

وإذا كانت بريطانيا قد نفت التزامها بما جاء في هاتين الخريطتين، نظراً لانعدام صفتيهما الرسميتين، وتعارض بياناتهما مع موقفها الثابت حيال عروبة الجزر الثلاث؛ فالأَولى أن تنتفي حجيتهما في مواجهة دولة الإمارات لعدم صدورهما عن أجهزتها الرسمية، وتعذر علمها بالطريقة التي تأسست بياناتهما عليها، هذا فضلاً عن ثبوت ضعف القيمة الاستدلالية للخريطة التي لم تصدر عن طرفي النـزاع مقارنة بالخريطة الصادرة عنهما، خصوصاً إذا ما كان الهدف منها تحليل سلوكهما اللاحق، ومعرفة موقفهما حيال خط الحدود الذي ظهر على هذه الخريطة.

 
كما أن قيام بعض الدول والمؤسسات والجمعيات الجغرافية المتخصصة بإصدار خرائط تحوي تلويناً للجزر الثلاث بلون الساحل الفارسي، لا يعني بالضرورة ترتيب حقوق سيادية لإيران في هذه الجزر، أو إقامة الحجة على دولة الإمارات لدفعها إلى التسليم بتلك الحقوق؛ حتى ولو كانت هذه الخرائط قد صدرت عن منظمة دولية كبرى بحجم الأمم المتحدة وليس من قبل مؤسسات صغيرة غير رسمية، في دول لا صلة لها بالنـزاع.


وهو ما أكدت عليه محكمة تحكيم جزر زقر ـ حنيش بين اليمن وإريتريا عام 1998، حين رفضت دفع اليمن بوجود خرائط صادرة عن الأمم المتحدة أظهرت الجزر محل النزاع بلون الساحل اليمني. حيث قضت بأنه «. . . من المتعارف عليه في قواعد وأعمال الأمم المتحدة، أن قيامها بنشر خريطة لإقليم ما لا يؤدي إلى تثبيت أو تأسيس اعتراف من قبلها بوجود حقوق سيادية على ذلك الإقليم».

 

ويؤيد ما سبق من أحكام، ما قضت به محكمة العدل الدولية في النـزاع القطري البحريني حول جزر «حوار» عام 2001، عندما حكمت لصالح البحرين ولم تمنح الخرائط التي أظهرت هذه الجزر بلون الأراضي القطرية أية قيمة استدلالية. وفي ذلك تأكيد على أن القضاء الدولي لا يتعامل مع هذا النوع من الخرائط إلاّ في حدود ضيقة وفي غياب الأدلة الأخرى المستقاة من الوقائع القانونية للنـزاع.

 
أما بالنسبة للخريطة التي قدمهـا ـ على سبيل الإهـداء ـ السير درموند وو  Drummond Wolf الوزير البريطاني المفوض في طهران، إلى شاه إيران ناصر الدين القاجاري في عام 1888، وذلك بناء على تعليمات اللورد سالزبوري سفٌىَّقٌِّّْ وزير الخارجية البريطاني آنذاك، فإنه يتوجب الاعتراف بطابعها الرسمي لحظة صدورها؛ إلا أن التأصيل القانوني السليم لها يؤكد على أنها من الناحية الإثباتية تبدو ضعيفة الحجة كسابقاتها من الخرائط الإيرانية.

 

فهذه الخريطة، تتسم أيضاً بالغموض وعدم الوضوح. إذ لا يُعرف على وجه التحديد، المقياس الذي رسمت به، ولا قوة السند الخرائطي أو القانوني الذي اعتمدت عليه. كما أنها تُعتبر من الخرائط السرية، لأنها قُدمت على سبيل الإهداء الخاص لشاه إيران، ما يعني افتقارها إلى صِفَتي الشُهرة والتواتر، اللازمتين لاعتماد الخرائط دليلاً احتياطياً أو أصيلا، أمام المحاكم الدولية.


وأما من الناحية السياسية، فقد أكدت الحكومة البريطانية، قبل وبعد إصدار هذه الخريطة، اعترافها بحقوق السيادة العربية على الجزر محل النـزاع، ورفضها التفسير الإيراني لما ورد فيها من ألوان، مؤكدةً أنها لم تكن تَقصد من إصدارها الاعتراف بحقوق سيادية لهذا الطرف أو ذاك، كما لم تصدرها بغرض تثبيت حدود الإمارات (المتصالحة) مع بلاد فاروهـو ما أثبته أحد محاضر وزارة الخارجية البريطانية بتاريخ «4» سبتمبر 1934، والـذي تضمن تعليقاً على هذه الخريطة جاء فيه « 3- إن قيمتها القانونية كحجة ينفيهـا دأب حكومة صاحبة الجـلالة على الاعتراض على الادعـاءات الفارسية وبصورة حازمـة ورسمـية قبل وبعد التاريخ الـذي تم فيه تقديم هـذه الخـريطة إلى الشاه . . .».

 

وكانت وزارة الخارجية البريطانية قد أصدرت تصريحاً حول هذه الخريطة في عام 1928، جاء فيه «إن الحجية الفارسية لا تثبت شيئاً، ومن المؤكد أنها لا تثبت أن حكومة صاحب الجلالة قد اعترفت بالملكية الفارسية للجزر في ذلك الوقت، بل على العكس تماماً، فقد قامت المفوضية أخيراً فقط، بتذكير الحكومة الفارسية بحقوق الشيوخ العرب . . .».

 

أما فيما يتعلق بالقضاء الدولي، فقد قررت دائرة محكمة العدل الدولية في حكمها الصادر عام 1986 بشأن نزاع الحدود بين بوركينا فاسو ومالي، ان «. . . الخرائط في مسائل تعيين الحدود، تشكل معلومات فقط، ولا تشكل أبداً، في حد ذاتها وبمفردها، سندات ملكية للأرض، فهي مجرد دليل خارجي يمكن استخدامه إلى جانب أدلة أخرى لإثبات الوقائع الحقيقية».

 

وكذلك ما تظمنه قرار محكمة العدل الدولية في حكمها الصادر عام 1998، حول قضية الحدود البرية والبحرية بين الكاميرون ونيجيريا، والذي جاء فيه «تشكل الخرائط مجرد أدلة سطحية، إمكانية التعويل عليها تتراوح كثيراً، ويمكن استخدامها مع أدلة أخرى من النوع الاستنتاجي لإثبات أو إعادة تمثيل وقائع حقيقية».

 

ونستخلص مما تقدم، أنه لا آمال تُرجى لإيران في دليل الخرائط الجغرافية التي إن حظيت ببعض الأهمية الاستدلالية لاستخدامها في أية محاججة قانونية مستقبلية، إلا أنها ـ  كمبدأ عام ـ لا تحمل قيمة إثباتية عالية تدنيها من مرتبة سند الحق القادر على لعب دور بارز في حسم النزاع، نظراً لضآلة قيمتها القانونية أمام الأسانيد الأكثر ترجيحاً المقدمة من دولة الإمارات. 

 

خامساً: التاريخ القــانوني ووظائف الدولة 
من ضمن الأسس التي بنت عليها دولة الإمارات سيادتها على الجزر الثلاث، حيازتها مجموعة من الوثائق التي تؤكد وجود تاريخ قانوني لهذه الجزر يثبت تبعيتها للسيادة العربية، فضلاً عما تملكه من أدلة وبراهين تدل على قيامها بممارسة وظائف الدولة عليها.


فقد قدمت ـ ضمن أسانيدها الأخرى ـ عدداً من الوثائق الدالة على وجود تاريخ قانوني للجزر يؤكد السيادة العربية عليها، ممثلة بالمحاضر والمذكرات البريطانية، وكذا المراسلات التي تبودلت في ما بين الشيوخ القواسم على الساحلين الفارسي والعربي من الخليج. على أن التساؤل الذي يثيره هذا الدليل هو: إلى أي مدى يمكن الاحتجاج بهذا النوع من الوثائق لتأسيس سند حق قانوني في الأقاليم المتنازع عليها من وجهة نظر القانون الدولي؟.

 

لقد استقر القضاء الدولي على إعطاء المعاهدات أهمية كبيرة، باعتبارها تُمثل دليلاً أصيلاً لإثبات الحقوق القانونية في الحدود أو الاقاليم التي تتنازع الدول السيادة عليها. إلا أن غياب مثل هذه المعاهدات لا يعني بالضرورة  الاكتفاء باللجوء إلى بعض القواعد والمبادئ المعتمدة في القانون الدولي لتسوية النـزاعات الحدودية أو الإقليمية، وإنما يلزم الرجوع إلى الوثائق التي يمكن أن يُستمد منها ما يدعم ويؤصل وجود حقوق قانونية لأي من أطراف النزاع. 


وهو ما أكدت عليه محكمة التحكيم في قضية جزر زقر ـ حنيش 1998 بين اليمن وإريتريا، حين قضت بأن «. . . ما عزز من ثقة المحكمة في الفصل لصالح اليمن في مجموعة جزر زقر ـ حنيش، هو ما قدمته من أدلة تثبت خضوع الجزر لولاية الساحل العربي . . .».


وتأسيساً على ما تقدم، يتراءى لنا أن القاضي أو المحكّم الذي سينظر النزاع على الجزر الثلاث، سيجد في حصيلة الوثائق التي تقدمت بها دولة الإمارات، بما تضمنته من إقرارات واضحة، وإعترافات صريحة، وتحديد دقيق للجزر المتنازع عليها، ما يمكن أن يُشكل أداةً لتعبيد الطريق أمام مساعيها لإثبات حقها القانوني في هذه الجزر. 

 

ثبوت ممارسة وظائف الدولة  
إن الوثائق القانونية والوقائع التاريخية تؤكد ثبوت ممارسة دولة الإمارات وظائف الدولة ومظاهر السيادة على الجزر الثلاث بصورة دائمة ومستقرة وعلنية، ممثلة بأعمال الاختصاص التشريعي والقضائي والإداري.

 

وهي أعمال تحمل دلالات قانونية غاية في الأهمية، خاصة أنها تمت في ظل البُعد النسبي للجزر عن إقليمها الرئيس، فضلاً عن قسوة طبيعتها، وشح مواردها، والعدد المحدود لسكانها، وصغر مساحتها.

 

ولذلك، فإن الوجود الحكومي لدولة الإمارات على الجزر الثلاث، لم يكن طارئاً، أو فرضته ظروف اقتصادية أو سياسية مؤقتة، وإنما كان ممارسةً لحقوق قانونية ثابتة لها في هذه الجزر منذ اللحظة الأولى لبسط سيادتها عليها قبل قـرون خَلت.

 

وهو الأمر الذي لم يتحقق من جانب إيران، باستثناء ما تم تفنيده سابقاً من ادعاءات تاريخية موغلة في القدم، نُحيل إليها منعاً للتكرار.

 
التسوية القانونية للنزاع الإماراتي ــ الإيراني
 
 
غوغل ايرث 
 
أهم ما يميز كتاب «التسوية القانونية للنزاع الإماراتي - الإيراني» على الجزر الثلاث، الذي هو في الأصل أطروحة ماجستير تبنّت جامعة الدول العربية نشرها في كتاب، في سابقة هي الاولى من نوعها، مستواه العلمي، إضافة الى كونه يلامس بعداً مهماً من أبعاد العلاقات العربية الإيرانية، والمتمثل بالنزاعات الحدودية. وفي الواقع تعتبر قضية الاحتلال الايراني للجزر الإماراتية الثلاث طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى، حائلاً دون تطوير العلاقات الخليجية - الايرانية خصوصاً، والعربية - الايرانية عموماً. إذ إن سياسة ايران تجاه منطقة الخليج هدفها التمدد الاقليمي خارج حدود الدولة. وهذا هو واقع الحال منذ أيام حكم الشاه حتى الآن، وإن اختلفت الاساليب وتنوعت الأدوات. 

لهذا فإن إثارة اسئلة تتعلق بالاهمية الاستراتيجية للجزر الثلاث، ووضعها القانوني قبل قيام دولة الاتحاد وبعده، والأسانيد التي يعتد بها الطرفان الاماراتي والايراني للتأسيس لحقه في الجزر الثلاث، ورأي القضاء الدولي في تلك الاسانيد، باتت مسألة لا غنى عنها في مشوار البحث عن تسوية سلمية للنزاع بين الجانبين.

يقع الكتاب في 469 صفحة من القطع الكبير، ويضم خمسة فصول، الاول منها يتعرض للوضع التاريخي والسياسي للجزر قبل قيام دولة الامارات، ويناقش الدور الذي لعبه القواسم في صراعهم مع البريطانيين والفرس، اضافة الى الاهمية الاقتصادية والاستراتيجية للجزر. بينما يناقش الفصل الثاني الوضع القانوني للجزر بعد قيام الدولة، ويتعرض لموقف القانون الدولي من مذكرة التفاهم حول تقسيم جزيرة أبو موسى، والآثار المترتبة على احتلال الجزر الثلاث وأهمية تسوية النزاع بالطرق القانونية.
أما الفصل الثالث فيتعرض لأسانيد السيادة لكل من دولة الامارات وإيران على الجزر الثلاث، ويشرح بالتفصيل أسانيد السيادة الاماراتية والحق التاريخي العربي في الخليج وجزره، ودعائم هذا الحق. كما يناقش الحق القانوني في الجزر وممارسة وظائف الدولة عليها. ويأتي على أسانيد السيادة الايرانية، ودعاوى الحق التاريخي الفارسي في الخليج وجزره.  وفي الفصل الرابع يتعرض الكاتب لأسانيد طرفي النزاع في ميزان القضاء الدولي.

اما الفصل الخامس والأخير فيتعرض بالتفصيل للنزاع على الجزر في ضوء المبادئ القانونية الحاكمة لتسوية المنازعات الحدودية والاقليمية، مع الاستشهاد بنماذج نزاعات حُلت قانونياً كالنزاع على طابا بين مصر وإسرائيل، وجزيرة حنيش بين اليمن وإريتريا. ونظراً لأهمية هذا الكتاب فقد وجدنا أن نقدم له عرضاً على خمس حلقات، إضافة لحلقة خاصة للوثائق التي تعرض للمرة الاولى ليس بهدف تثبيت حق ثابت، وإنما تعميماً للفائدة.  
 
  "7-5"
 
 
عبداللطيف الصيادي
يعمل محاضراً بأكاديمية شرطة دبي.
وهو حاصـل على ماجسـتير في القانـون الدولي العام، ودبلوم دراسات عليا في القانون الدولي العام.
وحائز شهادة ليسانس شريعة وقانون.  
 
طباعة