أسانيد طرفي النـزاع في ميزان القانون الدولي

خارطة صادرة في فرنسا عام 1681م ويظهر فيها الخليج العربي باسم «خليج البصرة والقطيف».  

 
بعد الإطلال على الأسانيد والحجج التي ساقها كل من طرفي النـزاع لإثبات سيادته الإقليمية على الجزر الثلاث، فإنه خليق بناء تمريرها على مجهر القضاء والتحكيم الدوليين، لإجراء فحص شامل وتحليل كامل لمجمل المادة الوثائقية والمرجعية التي تكونت منها هذه الأسانيد والحجج، وذلك تمهيداً لوضعها على كفتي ميزان العدالة الدولية، بغية معرفة مدى رجحان إحداهما على الأخرى لصالح أي من الطرفين وذلك على النحو التالي: 

أولاً: الحق التاريخي والتدعيم التاريخي. 
إن المتتبع للنزاعات الحدودية والإقليمية يجد أن جُلها لا يخلُ من الحجج ذات الصبغة التاريخية التي يتحصن خلفها أحد الأطراف لإثبات ما يدعيه من سيادة على الإقليم المتنازع عليه، أو لتبرير إقدامـه على احتلاله.

وعادة ما تكون دعاوى الحق التاريخي صادرة عن دولة قديمة النشأة والتكوين وذات جذور تاريخية بعيدة، أو عن دولة قديمة نسبياً مقارنة بالدولة التي تمثل الطرف الآخر في النزاع القائم. 

والدفع بهذه الدعاوى قد يرجع إلى شعور بعض الحكومات في الدول ذات المنشأ القديم بالاستلاب التاريخي جراء تعرض جزء من إقليمها الطبيعي للاحتلال والضم من قبل قوة غازية أو دولة مجاورة. كما قد يظهر كنتاج لمساعي هذه الحكومات لاستثارة الأمجاد القديمة في وجدان شعوبها لتغطية إخفاقاتها في المجال الداخلي، أو لإذكاء هواجسها بوجود عدو خارجي بغرض إلهائها عن الالتفات إلى مشكلاتها الحقيقية، خصوصاً إذا ما كان النسيج الاجتماعي لتلك الشعوب متعدد الإثنيات والطوائف.

إلا أن هذه الدعاوى قد تظهر بمناسبة تعرض دولة ما لظلم حقيقي جراء قيام دولة مجاورة أو قوة خارجية بانتزاع أحد أقاليمها في أوضاع سياسية قاهرة، رغم امتلاكها سند حق سيادي فيه، وبراهين تدعم حيازتها له.

إن إجالة النظر إلى أحكام القضاء الدولي في العديد من المنازعات الحدودية والإقليمية، ستُظهر أن هذه الأحكام جاءت متشددةً، كمبدأ عام، في الأخذ بنظرية الحـق التاريخي كسبب لاكتساب السيادة على الإقليم، وهو ما دفع البعض إلى القول بقصر هذه النظرية على الخلجان التاريخية وبعض المسائل المتعلقة بالاستغلال المشترك لموارد الأنهار الدولية في غير الأغراض الملاحية. وقد تبدى حرص القضاء الدولي على إقصاء مفهوم الحق التاريخي عن دعاوى السيادة إلى أبعد مدى ممكن، من خلال الحكم الصادر عن هيئة التحكيم الخاصة بالنزاع اليمني الإريتري عام 1998 حول جزر أرخبيل زقـر حنيش الواقعة في البحر الأحمر.

لقد أخفق كل من طرفي النزاع في إقناع المحكمة بأن تاريخ هذه القضية يَشِفُ عن أدلة قانونية تؤكد وجود سند حق تاريخي أو حقوق تاريخية على صلة بالجزر والجزيرات والصخور، محل النزاع، على وجه التحديد، ولفترات طويلة من الزمن، بحيث تكون كافية لتأسيس القرار الذي يمكن أن تصدره المحكمة...»، خصوصاً أن أيا منهما  «.. لم يَدّعِ وقوعها «اي الجزر» في نطاق مياه تاريخية؛ كما أنه لا يوجد في أي من هذه الجزر حياة إنسانية على أساس غير موسمي أو غير مؤقت». 

كما قررت المحكمة ذاتها أن «تحليل التبدل الدائم لمختلف أوجه الأنشطة الصادرة عن السلطات الحكومية، وهو الوضع الذي كان سائداً في قضية مينيكويرز وإيكرهوس التي تضمنت الكثير من الدعاوى عن حقوق موغلة في القدم، كشف عن نتيجة واحدة هي: إن التاريخ الحديث نسبياً لأعمال الانتفاع والحيازة، هو الذي كان في نهاية المطاف الأساس الرئيس الذي بنت عليه هيئة المحكمة قراراتها». 
 

وثيقة بريطانية تنشر لأول مرة صادرة بتاريخ 18 يوليو 1954م تؤكد فيها الحكومة البريطانية عدم اعترافها بأية مطالب فارسية بالجزر الثلاث أو استخدامها مجالاً لعقد الصفقات.
 
على أن القرار سالف الذكر حول نظرية الحق التاريخي، وإن كان قد صدر مقتضى لنزاع إقليمي حديث نسبياً، إلا أنه، في الأصل، مستمد من نهج تقليدي سـار عليه القضاء الدولي في كثير من المنازعات الحـدودية والإقليمية التي تضمنت محاججـات تاريخية ضـاربة في القـدم؛ منهـا، على سبيل المثال، النزاع البريطاني الفرنسي على مجموعة جزر وصخور مينكويرز وإيكرهوس Minquiers  الذي ادعى كل من طرفيه امتلاكه حقوقاً تاريخية تعود إلى العصور الوسطى.

فقد زعمت بريطانيا أن دوق (نورماندي) Normandy أسس اتحاداً بين إنجلترا وبين دوقيته عندما غزاها في عام 1066م، وقد شمل هذا الاتحاد الجزر الواقعة في القنال الذي يفصل بريطانيا عن فرنسا، بما فيها الجزر محل النزاع التي ظلت منتظمةً تحت سيادة إنجلترا وأكدتها المعاهدات اللاحقة الموقعة بين الدولتين.

 أما فرنسا فقد ادعت أن الملك (فيليب أغسطس) ضم هذه الجزر إلى مملكته عندما قام بفتح (نورماندي) Normandy في عام 1204؛ وأكدت على أن المعاهدات التي وقعت لاحقاً مع بريطانيا (معاهدة باريس 1259، معاهدة كالي 1360، معاهدة تروي 1420 ، تُثبت ملكيتها هذه الجزر.

إلاّ أن محكمة العدل الدولية قررت في حكمها الصادر عام 1953م، عدم الالتفات إلى دعاوى الحق التاريخي القائمة على ما كان للملوك والفاتحين من الدولتين من سيطرة قديمة على الجزر المتنازع عليها، وقضت بترجيح كفة الأدلة المقدمة من بريطانيا، لما تضمنتهُ من أسانيد ووثائق تؤكد خضوع هذه الجزر لولايتها القضائية والتشريعية والسياسية.

ولم تتوقف المحاكم الدولية عن قلب ظهر المجن لنظرية الحقوق التاريخية كأساس لاكتساب السيادة على الإقليم. فقد قررت محكمة العدل الدولية في حكمها الصادر عام 1962 في قضية معبد برياه فيهيار Preah Vehiar بين تايلاند وكمبوديا، استبعاد جميع الحجج والأسانيد ذات الصبغة التاريخية والأثرية والطبوغرافية والثقافية، باعتبارها أدلة غير حاسمة من الناحية القانونية، ويصعب اعتمادها كمصدر للسيادة في ظل وجود عنصر ثابت ومحدد كاتفاقية التسوية المبرمة بين الطرفين عام 1904، والتي جعلت المعبد ضمن الأراضي التابعة لكمبوديا بموجب خط الحدود المبين في إحدى الخرائط الجغرافية الملحقة بها.

وفي حكم التحكيم الذي جرى بشأن النزاع حول جزيرة جرينلاند الشرقية بين النرويج والدنمارك، قضت محكمة العدل الدولية الدائمة في حكمها الصادر سنة 1933م، بأن لا قيمة للدعاوى التاريخية التي أطلقها الطرفان لإثبات ملكية بعض أجزاء هذه الجزيرة الكبيرة المجاورة للقطب المتجمد الشمالي، وقضت بأن أعمال السيادة المتقطعة التي مارستها الدنمارك خلال الفترة (من 1822 إلى 1925)، ممثلةً بإقامة بعض المحطات ومنح الامتيازات للشركات في الجزيرة، هي التي شكلت في نهاية المطاف عقيدة المحكمة لتقرير السيادة الدنماركية عليها.

ويستبين مما سبق من أحكام، إعراض القضاء الدولي عن الأخذ بنظرية الحقوق التاريخية القائمة على الأسانيد المستمدة من الماضي البعيد، لما يمكن أن يترتب على تطبيقها من إثارة لدعاوى وحقوق مفترضة تجاوزتها ظروف الزمان والمكان وقواعد القانون الدولي المعاصر، وأضحت غير منتمية سياسياً واجتماعياً واقتصادياً لإقليم الدولة التي تدعي هذه الحقوق،  فضلاً عما يمكن أن ينتج عن إعمالها من تحريك للأطماع وإذكاء للقومية والعنصرية، وتهديد للسلم والأمن الدوليين في حال أقدمت الدولة المدعية بالحق التاريخي على تنفيذ مطالبها بالقوة العسكرية. 

ولذلك فإن صعوبات جمة تعترض طموحات كل من دولة الإمارات وإيران لإثبات سيادتهما على الجزر الثلاث تأسيساً على سندات من الحق التاريخي التقليدي في هذه الجزر.
 
ونشير إلى أنه سيتم استكمال تحليل الأسانيد في الحلقة المقبلة.
حقوق ملكية الوثائق للكاتب  
 
التسوية القانونية للنزاع الإماراتي ــ الإيراني
 
 
غوغل ايرث 
 
أهم ما يميز كتاب «التسوية القانونية للنزاع الإماراتي - الإيراني» على الجزر الثلاث، الذي هو في الأصل أطروحة ماجستير تبنّت جامعة الدول العربية نشرها في كتاب، في سابقة هي الاولى من نوعها، مستواه العلمي، إضافة الى كونه يلامس بعداً مهماً من أبعاد العلاقات العربية الإيرانية، والمتمثل بالنزاعات الحدودية. وفي الواقع تعتبر قضية الاحتلال الايراني للجزر الإماراتية الثلاث طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى، حائلاً دون تطوير العلاقات الخليجية - الايرانية خصوصاً، والعربية - الايرانية عموماً. إذ إن سياسة ايران تجاه منطقة الخليج هدفها التمدد الاقليمي خارج حدود الدولة. وهذا هو واقع الحال منذ أيام حكم الشاه حتى الآن، وإن اختلفت الاساليب وتنوعت الأدوات. 

لهذا فإن إثارة اسئلة تتعلق بالاهمية الاستراتيجية للجزر الثلاث، ووضعها القانوني قبل قيام دولة الاتحاد وبعده، والأسانيد التي يعتد بها الطرفان الاماراتي والايراني للتأسيس لحقه في الجزر الثلاث، ورأي القضاء الدولي في تلك الاسانيد، باتت مسألة لا غنى عنها في مشوار البحث عن تسوية سلمية للنزاع بين الجانبين.

يقع الكتاب في 469 صفحة من القطع الكبير، ويضم خمسة فصول، الاول منها يتعرض للوضع التاريخي والسياسي للجزر قبل قيام دولة الامارات، ويناقش الدور الذي لعبه القواسم في صراعهم مع البريطانيين والفرس، اضافة الى الاهمية الاقتصادية والاستراتيجية للجزر. بينما يناقش الفصل الثاني الوضع القانوني للجزر بعد قيام الدولة، ويتعرض لموقف القانون الدولي من مذكرة التفاهم حول تقسيم جزيرة أبو موسى، والآثار المترتبة على احتلال الجزر الثلاث وأهمية تسوية النزاع بالطرق القانونية.
أما الفصل الثالث فيتعرض لأسانيد السيادة لكل من دولة الامارات وإيران على الجزر الثلاث، ويشرح بالتفصيل أسانيد السيادة الاماراتية والحق التاريخي العربي في الخليج وجزره، ودعائم هذا الحق. كما يناقش الحق القانوني في الجزر وممارسة وظائف الدولة عليها. ويأتي على أسانيد السيادة الايرانية، ودعاوى الحق التاريخي الفارسي في الخليج وجزره.  وفي الفصل الرابع يتعرض الكاتب لأسانيد طرفي النزاع في ميزان القضاء الدولي.

اما الفصل الخامس والأخير فيتعرض بالتفصيل للنزاع على الجزر في ضوء المبادئ القانونية الحاكمة لتسوية المنازعات الحدودية والاقليمية، مع الاستشهاد بنماذج نزاعات حُلت قانونياً كالنزاع على طابا بين مصر وإسرائيل، وجزيرة حنيش بين اليمن وإريتريا. ونظراً لأهمية هذا الكتاب فقد وجدنا أن نقدم له عرضاً على خمس حلقات، إضافة لحلقة خاصة للوثائق التي تعرض للمرة الاولى ليس بهدف تثبيت حق ثابت، وإنما تعميماً للفائدة.  
 
  "6-4"
 
 
عبداللطيف الصيادي
يعمل محاضراً بأكاديمية شرطة دبي.
وهو حاصـل على ماجسـتير في القانـون الدولي العام، ودبلوم دراسات عليا في القانون الدولي العام.
وحائز شهادة ليسانس شريعة وقانون.  
 
طباعة