قراءة داخل القراءة

ياسر الأحمد

 

بورخس الشاعر والروائي الأرجنتيني كان أميناً للمكتبة الوطنية في بلاده، وكان رجلاً كفيف البصر في الوقت ذاته، كان يسترخي مغمض العينين حين كان القارئ الخاص به يقرأ له نصاً يحبه، ومن يقرأ كتاباته سيلمح فوراً أنه صوفي تقريباً.

 

يبدو المشهد ممتعاً ولذيذاً، رجل مكفوف وقارئ شرهٌ وكاتب صوفيٌ، وليكتمل مشهده صعد ذات مرة السلّم إلى شقته حاملاً نسخة من كتاب ألف ليلة وليلة، ولشدة شغفه بالكتاب، واستعجاله قراءته نسي أن نافذة كانت مفتوحة، فأصيب بجروح بليغة كادت أن تذهب به إلى الحمى ومنها إلى الجنون.

 

وهنا المشهد ممتع مرة أخرى ولكنه أكثر جنوناً وغرابة، فالكفيف يحمل كتاباً «عجائبياً» ليصعد به الكتاب إلى أعلى، حيث الجنون.

 

ترى هل هذه هي القراءة؟، القراءة التي يموت فيها المؤلف ويولد القارئ بجانب النص فقط. بحيث لا يبقى في مخمل كرسي القراءة غير الذات والنص  الذي لا يبتعد عن حواف الجنون.

ربما يجدر بنا أن نعرف تاريخ الكتابة لنصل تالياً إلى تاريخ القراءة، باعتبارهما مرتبطين تماماً ببعضهما، فالكتابة ولدت نتيجة لحاجة الإنسان إلى تنظيم أموره وقوننة حياته، وهي بالتالي أكثر ارتباطاً بالتنظيم وبترتيب الحياة، لكن القراءة كما يقول ايتالو كالفينو «القراءة تعني الاقتراب من شيء هو قيد الصيرورة»، بحيث يعيد القارئ صياغة النص ليبدو أكثر استجابة لمتطلباته الشخصية ولذلك ترتبط القراءة بالإبداع والفوضى والهواجس الخاصة.

 

تعتمد القراءة بشكل ما على فك الرموز، وإعادة تنسيق العلامات التي ترمز لها الأحرف، فالكتابة بدأت كرسوم ترمز لأشياء موجودة في الواقع، ثم تحولت إلى أحرف نرتبها فنحصل على معنى للواقع، وهي بذلك مرتبطة بما يسمى «علم البصريات» ، وهو علم كان للعرب فيه بعض الحضور فيما مضى، فابن الهيثم كان يرى أن الإدراكات الحسية تتطلب نوعاً من المشاركة الفعالة من قبلنا لنصدر أحكامنا، وبالتالي ففعل القراءة الحسي يحتاج إلى مشاركة القارئ الفعلية في تصور النص، ومن ثم إعادة تأويله بحسب الأمزجة الشخصية.

 

ولعل من أكثر أوقات الآباء بهجة هي اللحظات التي يبدأ طفلهم فيها تهجّي الأحرف، وفك رموز الأبجدية. فالطفل بذلك يكون قد بدأ في التواصل مع عالم آخر جميل. وتكون قدراته العقلية بالتالي محل تطوير.

 

لكن القراءة ليست حكراً على الحاضر، فهناك من يكتب ليقرأ المستقبل، وهذا ما يندرج تحت باب التنبؤات، ولعل هذا الباب أكثر اتساعاً من ضيق الواقع، فنجد كبار الشخصيات تلجأ للعرّافين لقراءة المستقبل، ومحاولة صناعته بالنتيجة.

 

هكذا تبدو القراءة فعلاً جميلاً، وقدراً بدأت به ديانة الإسلام حين كانت القراءة رمزاً من رموز سلطة النخبة.


 

 ytah76@hotmail.com

طباعة