عاصفة البترول

    جورج فهيم

        
    العاصفة التي تتعرّض لها شركات الطيران الآن بسبب ارتفاع أسعار الوقود لن تُسفر فقط عن «انقراض» العديد منها، وإنما ستؤدي إلى تغييرات جذرية عميقة في خريطة التحالفات في هذه الصناعة الاستراتيجية، وفي القواعد الدولية المنظِّمة لها بصورة تؤثر في الاستثمارات الضخمة الحالية الموضوعة في هذه الصناعة، والمستقبلية المرصودة لها.


    ورغم أن السنوات الأخيرة شهدت ارتفاعاً في نبرة حديث المؤسسات الدولية، مثل: البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، عن الحصانة والمناعة اللتين اكتسبهما الاقتصاد العالمي في مواجهة الأزمات البترولية، إلا أن الأزمة الحالية، التي من المتوقع لها أن تقفز بأسعار البترول إلى 150 دولاراً للبرميل في غضون أشهر قليلة، تثبت أن الاقتصاد العالمي مازال رهيناً لأسعار البترول، وأن حركة أسعار النفط  ـ هبوطاً وارتفاعاً ـ هي المحدد الأكبر لحركة الاقتصاد العالمي، ركوداً وانتعاشاً.ومن المؤكد أن كل الصناعات تتأثر بارتفاع أسعار النفط، إلا أن صناعة النقل الجوي تتأثر أكثر من غيرها بالارتفاع في أسعار النفط، بحكم أن الوقود يشكل نسبة تتراوح ما بين 30 و40% من إجمالي تكاليف التشغيل، وربما كان ذلك هو ما دفع الاتحاد الدولي للنقل الجوي، أخيراً، إلى تعديل توقعاته التي أصدرها في مارس الماضي، حول خسائر صناعة الطيران ليقفز بها من 2.3 مليار دولار إلى 6.1 مليارات دولار. وقد أسفرت موجة الخسائر الهائلة التي تجتاح الصناعة، حتى الآن، عن إفلاس 10 شركات ـ بينها أسماء بارزة في عالم الطيران ـ  في أقل من عام واحد، ويتوقع خبراء الطيران اختفاء 10 شركات أخرى بحلول نهاية العام، كما أن عدداً كبيراً من الشركات التي مازالت صامدة اضطرت إلى إحالة الطائرات القديمة التي تستهلك كميات أكبر من الوقود إلى المعاش والتقاعد المبكر، ووصلت نسبة الخفض في عدد الطائرات العاملة إلى 10% في بعض الحالات، ما استدعى إلغاء بعض الوجهات، وخفض عدد الرحلات، وتسريح أعداد كبيرة من العاملين، وتقليص الميزانيات.

     

    بل إن بعض الشركات التي تسعى إلى التكيّف مع الأوضاع الصعبة الجديدة اختارت أن تفرض رسوماً على أي شيء، فهناك شركات قررت مثلاً تقاضي رسم بواقع 15 دولاراً عن الحجز عبر الهاتف والإنترنت، وهناك شركات أخرى قررت فرض رسوم على الطعام والشراب، بل وحتى على ورق «التواليت»، وثالثة قررت تحصيل قيمة تذكرة كاملة على حقائب الركاب تتحدد قيمتها وفقاً للحجم والوزن، وينطبق ذلك على جميع الحقائب، بما في ذلك الحقيبة التي يحملها المسافر في يده.

     

    ومما لا شك فيه أن شركات الطيران لجأت إلى هذه الإجراءات الغريبة بعد أن استنفدت كل الوسائل التقليدية، مثل: فرض رسوم غلاء وقود، وخطط التحوّط لشراء الوقود لفترات طويلة بأسعار مخفّضة، ولكن هذه الوسائل لم تعد تجدي الآن بعد أن وصلت الأسعار إلى نقطة التحوّل التي ستعيد رسم المشهد في صناعة الطيران بالكامل، ليس فقط للشركات المشغلة أو المصنعة، وإنما أيضاً الصناعات المرتبطة بصناعة الطيران، مثل صناعة السياحة والفنادق.  

     

    georgefahim_63@hotmail.com 

    طباعة