وهل الصحافة مهنة؟!

أحمد السلامي

 
يقال إن المصريين كانوا في مطلع القرن الماضي يسخرون من الصحافي ويطلقون عليه لقب «جورنالجي»، على وزن «عرضحالجي ومكوجي»، وكان خريجو الأزهر ينظرون إلى الصحافي شزراً، ويرون في لغة الصحافة ما يهدد الفصحى. واليوم ترى بعض السلطات العربية أن ما يكتبه الصحافي الحر يحرّض البسطاء على الدولة ويهدد السكينة العامة للمجتمع.

لا أحتاج لمقدمات لأقول إن الصحافة في بعض بلداننا لاتزال هواية، يمارسها الحالمون، أو المخبرون الذين يستغلون الصحافة لنشر الأمية السياسية ومكافحة وعي الجماهير بحقوقها، وهؤلاء تحديداً هم أولئك الذين يعملون في مطابخ الإعلام العربي الرسمي، تلك المطابخ التقليدية التي تضع بينها والمهنية جداراً سميكاً، تحافظ من خلاله على أساليبها القديمة في تزييف الواقع.

 وفيما يواجه الإعلاميون المستقلون مشقة العمل في مهنة مختطفة تحني رقبتها تحت سقف الحرية المنخفض، ويزج بالصحافيين في السجون وتنشأ من أجلهم محاكم متخصصة تساوي بينهم وعتاة الإرهابيين الذين يهددون السلم العالمي.

والأدهى من ذلك، أن المعنيين بشؤون المهنة في تواطؤ مستمر ضدها، إذ يتعاملون مع الصحافي باعتباره آلة مطيعة ومن السهل إقناعه بالعمل وفق سياساتهم وخطوطهم الحمر، على أن يكتفي مقابل عمله بالحصول على الفتات.

لقد تميزت الصحافة في الإمارات ودول الخليج عامة بتحولها من صحافة أفراد وحكومات إلى صحافة مؤسسات، وهنا يكمن سرّ نجاحها.

 أما في بعض البلدان فإن الدولة لاتزال تهيمن على وسائل الإعلام وتستبدل الصحافيين بموظفين يجيدون الكتابة عن المنجزات التي تتحول أمام استحقاقات اللحظة المعاشة إلى أوهام لا جدوى منها.
ولا يعمل الصحافي من دون أجر أو بأجر ناقص إلا إذا كان في بحبوحة من العيش ويرغب في ممارسة هوايته المفضلة، فهل الصحافة مهنة أم هواية؟ وهل على الصحافيين والكُتاب الانتظار طويلاً إلى أن تتحول صحف بلدانهم الفقيرة إلى مؤسسات تحترم إبداعاتهم؟

ويسهم العاملون في حقل الصحافة في تكريس هذه الحالة الغريبة التي تنتقص من ذواتهم وحرفتهم، وهي الحرفة الوحيدة التي لايزال أربابها وحيتانها في بعض الدول يستغلون أصحابها ويسرقون جهدهم وعرقهم من دون مقابل.

ولاتزال مجلات ودوريات في بعض الأقطار العربية ترفض الاعتراف بالحقوق الفكرية للكُتاب والأدباء، أو تتعامل مع مسألة الحقوق المادية والفكرية بمعيار القرن الماضي. لهذا السبب ينبغي على الصحافيين العرب أن يكافحوا من أجل تحويل نقاباتهم إلى كيانات حقيقية تدافع عن حقوقهم وتحميهم من الاستغلال.

إن الحديث عن ضآلة المردود المادي للعمل الإبداعي والصحافي لايزال حديثاً مؤجلاً في بعض الدول العربية النامية، فلا توجد صحافة في العالم لا تضمن للمشتغلين بها الحفاظ على حقوقهم وكرامتهم سوى صحافة الحكومات التي يضيق فيها هامش الحرية ويتسع تبعاً لمزاج السلطات، وهو المزاج ذاته الذي يحكم «ترمومتر» علاقتها النفعية برجال الإعلام والصحافة. 

 

 

 
طباعة