من المسؤول عن تشوه الأسعار

    جورج فهيم

     

    عندما ترتفع أسعار اللحوم يقاطعها المستهلكون، وعندما تشطح أسعار الفاكهة يتوقف الناس عن شرائها، وعندما  تصاب أسعار الخضراوات بالجنون تتحول ربات البيوت إلى بدائل أخرى، ولكن ماذا نفعل عندما ترتفع أسعار الوقود؟! هل نتوقف عن تزويد سياراتنا بالوقود ونزودها بالماء بدلاً من ذلك؟ وهل نتوقف عن التوجه إلى أعمالنا ونقول إننا لا نستطيع أن نتواكب مع الزيادة العالمية في الأسعار مثلما تفعل كل شركة لا تحسن تدبير أمورها؟

    أقول ذلك بمناسبة الارتفاع الجنوني السابع خلال عام واحد، والثالث خلال شهرين، في أسعار الديزل الذي وصل إلى 18.5 درهماً للغالون، بعد أن كان السعر قبل أشهر قليلة تسعة دراهم للغالون فقط، ورغم أن أسعار البترول العالمية سجلت زيادة كبيرة وصلت إلى 137 دولاراً للبرميل، إلا أن هذه الزيادة لم تنعكس سوى على مستوى أسعار الديزل الذي تبيعه شركة الإمارات للبترول، بينما حافظت الشركات الأخرى داخل الإمارات وخارجها ممن اختارت، انطلاقاً من نظرة استراتيجية طويلة المدى، أن تحافظ على مستويات الأسعار، رغم أنها تتعرض للزيادة في الأسعار العالمية والزيادة في تكاليف الشحن والتكرير.

    لقد أدت فجوة الأسعار بين سعر الديزل في دبي وسعره في أبوظبي مثلاً ـ والتي وصلت إلى 42% ـ إلى خلق موجة من التشوهات السعرية في السوق، ولم يختلف السعر من إمارة إلى إمارة فقط داخل الدولة، وإنما اختلف أيضا من محطة إلى محطة رغم أن المسافة بينهما لا تبعد سوى أمتار قليلة.

    صحيح أن الديزل ليس من السلع التموينية الأساسية مثل الأرز والحليب واللحوم، إلا أن تأثيره ربما يكون أكثر خطورة وأهمية بسبب ارتباطه الوثيق بقطاع النقل والعقارات.

    وحسب بيانات وزارة الاقتصاد فإن الزيادة في أسعار الوقود في عام 2005 أسهمت بنسبة 35% في زيادة نسبة التضخم التي تقدر رسمياً بنحو 10% وفعلياً بأكثر من ذلك. وليس هناك شك في أن الزيادات الجديدة في أسعار الديزل ستترجم نفسها في صورة زيادات متتالية في أسعار كل السلع والخدمات، وعلى سبيل المثال  أعلن كثير من المدارس منذ الآن أنها تعتزم رفع رسوم النقل بالباصات بنسبة 50% لمواجهة الارتفاع في أسعار الديزل بدءا من العام الدراسي المقبل، ولنا أن نتخيل كم سيكون الارتفاع في إيجارات العقارات، إذا كان الارتفاع في  رسوم الباصات وصل إلى 50%. ولا يستطيع أحد إلى الآن أن يفسر لماذا تترك أسعار الديزل حرة تتحدد وفقاً لتقلبات السوق بينما تحدد أسعار البنزين من قبل الدولة بالرغم من أن الآثار الاقتصادية التي يمكن أن يتركها هذا التناقض خطيرة.

    إن القول إن الزيادة العالمية في أسعار الوقود هي السبب في الزيادة في أسعار الديزل أمر يحتاج إلى نقاش، لأن الكثير من الشركات التي تأثرت بالزيادة العالمية سواء داخل الإمارات أو في بقية الدول الخليجية لم تقم برفع الأسعار، وليس من المقبول أن يقتصر دور الشركة على تحميل فروق الأسعار على عاتق المستهلكين  دون أن يكون لها أي دور في التخطيط لإدارة الأزمة من خلال الشراء بعقود طويلة الأجل تتحوط ضد ارتفاعات الأسعار أو تتخذ القرارات الاستثمارية اللازمة التي تحرر عنقها من قبضة استغلال مصافي التكرير، أما الأسلوب الذي تعالج به الأمور الآن فهو لا يعدو إطفاء الحرائق كلما اندلعت دون التخطيط للوقاية منها أو القضاء على أسبابها . 
     
     
    طباعة