«سيدة المقام».. رؤوس مسكونة بالرصاص


«سيدة المقام.. مراثي الجمعة الحزينة» رواية للكاتب الجزائري واسيني الأعرج (الحائز جائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2007) ترصد فترة عصيبة كان فيها موت المبدع أسهل من حياته؛ أمام من يوزّعون، بسخاء، رصاص تطرّفهم على رؤوس المبدعين.  وسيدة الرواية، كما هي سيدة المقام، مريم، الشخصية الرئيسة التي يصوّرها المشهد الأول راقدةً في مستشفى تحت رحمة رصاصة سكنت رأسها ذات خريف، مريم باحثة عن تفرّدها ووجهها الحقيقي، ورافضة للوصاية حتى في لحظات صفائها أمام من تحب، ومهمومة بسؤالها الوجودي: ابنة من هي؟ هل هي ابنة الشهيد الذي بذل روحه ثمناً لاستقلال بلاده، أم ابنة الدرويش (موجات عالية من المتعصبين) الموزّع بين الكتب الصفراء، وأصدقائه الغرباء عن وجه المدينة، ولا تجد مريم (المدينة، الوطن) إجابةً.

 

 

تتعرّض مريم لقصة زواج فاشلة لا تترك لها سوى ذاكرة محشوّة بمشهد اغتصاب، وشخص كان قبل الارتباط بها يدّعي الثقافة والوعي وتقدير الفن، وصار بعد الزواج، حين فشل في لحظتهما الحميمية، مأزوماً يستبيحها في مشهد دام، فينتهي عقد الزواج أو الاغتصاب، لا فارق.

شهر زاد و«حرّاس النوايا»

 

تغرق مريم نفسها في فنها الرفيع (الباليه) وتحضر دروساً في معهد الفنون، تعوّضها الحياة جزئياً، تجمعها علاقة بأستاذها في المعهد، يصيران «حرفاً واحداً»، يحاولان اختلاس حريتهما في بلاد صارت أضيق من نقطة باء الحب، يعيشان في «غيمة بنفسجية» لا تستمر طويلاً، إذ تخرجهما غواية الفن، وتحوّلات الناس، والزلزال الذي ضرب الإنسان قبل المكان، تتصاعد الأحداث، تسعى مريم لتقديم تحفتها عرض «شهر زاد» رغم «حرّاس النوايا» والمتواطئين من السلطة، ترى رسالتها وحياتها في شهر زاد/مريم، فهي المطعونة في أنوثتها، والسيف مشرع، أو ساكن على هيئة رصاصة في رأسها، وهي التي استباحها شهر يار، والمهدّدة بعدم إكمال حكاياتها/ عروضها.

 

تسلّط «حرّاس النوايا» على الروسية أناطوليا معلمة مريم الباليه وأمها الثانية وأجبروها على ترك البلاد، وتتعرّض مريم للكثير من المضايقات والنعوت الشائنة، ثم استولى الحراس على الصالة التي كانت ستقدم عليها شهر زاد، عندها ضاقت مريم بكل شيء، وتحركت الرصاصة داخل رأسها، وبينما كان حبيبها أستاذ الفن شارداً ساهماً في أحوال مدينته ومريمته يوقفه أحد حراس النوايا ويعنّفه ويقوده إلى الشرطة.. ليرمى الاستاذ الجامعي في النهاية وسط أكوام القمامة «مزبلة المدينة». وفي اليوم التالي يستدعى إلى المستشفى، الذي ترقد فيه مريم بعد تحرّك الرصاصة في رأسها، يذهب حاملاً شريط موسيقى شهر زاد، ومخطوط روايته عن مريم التي تترجاه أن يسمعها ما كتبه، يدير موسيقى كورساكوف، تتعانق الأيدي، ويقرأ، فتغفو مريم..

 

ينقبض قلب العاشق، فتومئ إليه مريم ليكمل، يسترسل.. ومع انتهاء أنّات شهر زاد وموسيقاها ترحل مريم، يخرج الأطباء العاشق المذهول، يهيم بلا وجهة.. تتداعى إليه اللحظات المريمية الجميلة، وما تعرّضت له الحبيبة، يتذكر تفاصيل ليلة «المزبلة».. يوقن باستحالة «إمكانية العودة والمصالحة مع المدينة» التي سرقت مريم والبحر والمطر والشهداء، يصل إلى أعلى جسر في المدينة، يتجرد من هويته، وجواز سفره، ومعطف أبيه الشهيد، ونظارة المثقفين، ومخطوط روايته الأخيرة.. ويودّع الحياة.

 

ما قبل الرواية وما بعدها

 انطلق واسيني الأعرج في «سيدة المقام» من مأساته الخاصة جداً؛ إذ كانت الرواية بمثابة رد فني يحمل ألف «لا» في وجه من حاولوا سلبه حقه في الكتابة والحرية والحياة، هو والمئات من المثقفين والمبدعين، فالكاتب واجه تهديدات بالقتل، وأهدر دمه من قِبل حرّاس النوايا، وعاش مدة طويلة متخفياً داخل وطنه، إقامته محدّدة بأماكن خاصة لا يبرحها، ما دفعه إلى الرحيل عن دفء مدينته التي يعشقها، وهذا ما حاول توظيفه في روايته، بكثير من الفن، وقليل من المباشرة التي استحالت في بعض الصفحات إلى بيان احتجاجي لا سرد فني، ولكن غير المبرر ـ فنياً ـ هو الاكتفاء من الشخصيات العميقة بأهل «فسطاط واحد» وعدم إعطاء مساحة بوح أو تسامح، ولو لفصل واحد، للشخصيات الأخرى كيما نرى تحولاتها وكيفية بلوغ الشخص مرتبة «حارس النية»، إذ كانوا في الرواية نسخاً مكررة: فهم ضعفاء معقدون، مهزمون أمام الأنثى «فتى الحانة، حمودة المغتصب، عم مريم أو أبوها، السارد أعلم» كارهون للحياة دوماً، تجار في كل البضائع.

 

بقي أن نشير إلى ملمح أخير، فالرواية تحمل عالماً لغوياً بديعاً، وتترجم النغمات والحركات إلى لغة شديدة الرهافة والحساسية، وستستمع عبر وصف واسيني السحري وتشكيلاته اللغوية إلى سيمفونيات عالمية مصحوبة برقصات مريم الكونية التي لا تريد لها نهاية، حتى بعد أن سكنت الرصاصة رأس «سيدة المقام».

 

طباعة