الركود على شواطئ الخليج

    جورج فهيم


    تغيير ملحوظ في نبرة تفاؤل رجال الأعمال والمسؤولين الاقتصاديين في منطقة الخليج ترصدها أجهزة الرادار الاقتصادية، وفي بعض الحالات تحولت نبرة التشاؤم إلى تقليص للخطط الطموحة التي كانت معلنة وقيد التنفيذ قبل أشهر قليلة فقط. وفي الواقع، فإن هذا التغير له ما يبرره فمعدل النموّ في الاقتصاد الأميركي ـ الذي ظل طوال الـ15 عاماً الماضية قاطرة النموّ للاقتصاد العالمي ـ سينخفض خلال عام 2008 إلى 0.5% فقط، مقارنة بـ 2.2% عام 2007، والأسوأ من ذلك أن موجة الركود العاتية التي فرضتها أزمة الائتمان، وانهيار الأسواق العقارية، ستنتقل من الاقتصاد الأميركي إلى الاقتصادات الأوروبية والاقتصاد الياباني، خلال ستة أشهر فقط، وباختصار لم يعد الحديث يدور الآن عمّا إذا كان الاقتصاد العالمي سيسقط في براثن الركود الاقتصادي أم لا، وإنما أصبح السؤال يدور الآن حول متى يحدث ذلك؟ ولأي فترة سيدوم؟ وما مدى عمقه واتساع نطاقه؟ والتداعيات الاقتصادية التي يمكن أن تنتج عنه؟

     

    وحسب استطلاع للرأي، أعدته مؤسسة «ميرل لينش» العالمية، فإن عدد مديري الشركات العالمية الذين يؤمنون بأن الاقتصاد العالمي على أبواب موجة عاتية من الركود، قد زاد من 12% فقط في شهر يناير الماضي، إلى 28% في شهر فبراير، أي خلال شهر واحد فقط. وليس خفيّاً أن منطقة الخليج، وهي المورد الأكبر للطاقة لكل من الولايات المتحدة واليابان، وأوروبا لن تكون بمنأى عن طوفان الركود الذي سيؤدي حتماً إلى انخفاض في حجم الطلب على البترول وانخفاض في مستوى أسعاره أيضاً، وليس خفيّاً أيضاً أن معظم الاقتصادات الخليجية تعتمد في إيراداتها على البترول، بنسب تراوح بين 80% و 90%. وليس معنى ذلك بطبيعة الحال أن الاقتصادات الخليجية ستتأثر بالدرجة نفسها التي ستتأثر بها الاقتصادات الأوروبية أو الاقتصاد الياباني، أو أن الاقتصادات الخليجية ستتحول من اقتصادات دائنة إلى اقتصادات مدينة، أو أن فوائض الميزانيات الخليجية ستتحول إلى عجز، أو أن الشركات الخليجية ستعلن إفلاسها وتسرّح العمالة الموجودة لديها. 


    على العكس، فإن الاقتصادات الخليجية تملك مجموعة من مقومات الحصانة والمناعة الطبيعية التي ربما لا تتوافر لغيرها من الاقتصادات الناشئة الأخرى، والتي يتعين عليها مواجهة أزمة الركود العالمي كذلك، وهي مجردة من  ترسانة الأسلحة الاقتصادية التي تتوافر للدول الخليجية، وفي مقدمتها السيولة المالية الهائلة، وإمكانية إدارة اقتصاداتها من دون عجز في الميزانيات حتى لو انخفضت أسعار البترول إلى ما دون 40 دولاراً للبرميل ـ وهو أمر مستبعد الحدوث ـ فضلاً عن تشعّب العلاقات التجارية الخارجية الخليجية وارتباطها بالعديد من الاقتصادات الآسيوية الصاعدة مثل الصين والهند وكوريا، وهذه الاقتصادات ستواصل النموّ بصورة كبيرة حتى في ظل الركود العالمي. ولكن من المؤكد أن درجة التأثر ستختلف من اقتصاد إلى آخر في منطقة الخليج، وفقاً لدرجة التنوع الاقتصادي والتجاري ومدى توافر السيولة المالية في الأسواق المحلية والسلوك الإنفاقي للحكومات في مواجهة الأزمة، ومدى حكمتها في استخدام الفوائض النفطية.  

     

     georgefahim_63@hotmail.com 

    طباعة