هواجس حروفية

أحمد السلامي

 

تتفاوت التجارب التشكيلية من فنان لآخر، وهذا التفاوت الطبيعي يوجد حتى على المستوى الفردي في تجربة كل فنان، باستثناء التشكيلي اليمني طلال النجار، على الأقل من جهة اشتغاله منذ فترة طويلة على هم جمالي متقارب، يتسق مضمونه النظري مع تجسيداته الناطقة بلغة اللون.

 

في الأسبوع الماضي افتتح النجار معرضه الشخصي الثالث، وكان حريصاً على إيصال رسالة تبرر عدم خروج لوحاته الجديدة عن الإطار العام لرؤيته الجمالية، وهو يرى أن على المتلقي أن لا يتوقع أنه سيشاهد في كل معرض يقيمه الفنان تجربة تختلف كلياً عن تجربته السابقة، وحسب حديثه فإن الذين يقدمون في معارضهم المتلاحقة تجارب منقطعة عن مشروعاتهم السابقة يثيرون الشكوك حول انتقالاتهم المفاجئة، لأن تلك الانتقالات التي تبدو جوهرية قد تعكس أحياناً ارتباك الفنان وغياب رؤيته التشكيلية التي يفترض أن يعمل على تطويرها من داخلها وليس من داخل التجارب التي يتقمّصها ويتنقل بينها دون وعي، فيقع في فخ البدايات المتكررة التي لا تنتهي.

 

ويقول النجار كذلك إنه لم يستنفد بعد المرحلة التي تدور في فلكها تجربته الراهنة. وهذه منهجية صارمة قد تحاصر الفنان، وقد تعينه على إنجاز مشروع تشكيلي متكامل الملامح.

وفقاً لهذا النسق النظري، يواصل تجربته الفنية ذات المسار المتصل، ولا أقول الواحد، وها هو يقدم في معرضه الثالث (35) عملاً جديداً تمثل نقلة نوعية في اشتغاله على الدمج بين الحروفية والتشكيل، وله مع الحروفية وقفة طويلة، شكّل امتدادها هاجساً جمالياً في أغلب لوحاته، لكنه في أعماله السابقة كان يعتمد على نمنمات يجعلها خلفية لتوظيف الحرف برؤية تجريدية قلقة، وكان للخلفية أكثر من دور، من بينها الحفاظ على متن اللوحة ومضمونها الكلي من الانجرار بعيداً عن النسق التشكيلي.

 

أما في أعماله الجديدة فقد تحولت وظيفة الحرف من جزئية إلى كلية تفرض هيمنتها على اللوحة، وتتجاوز الموروث البصري للخط العربي بتشكيلات حروفية بحتة، لا تجاورها رموز، ولا تؤطرها مرجعية سوى الحروفية ذاتها، محملة بدلالات صوفية عميقة، وبجماليات خبيئة لا يقدر على استنطاقها سوى فنان متمرس في علاقته باللون، ومدرك لكل دلالة يمكن أن توصلها أبسط انحناءة في رسم الحرف.

 

هكذا يتكئ على الحرف، بعد تجريده من الدلالات الموضوعية المباشرة، وتحويله في المقابل إلى جسد هامشي للوحة، تتغلب عليه رؤية تشكيلية اعتمدت شفافية عالية في انتقاء الألوان، وقبل ذلك سيطرة الفنان على إيحاءات الحرف العربي، ومقاومة مغريات الاكتفاء بجماليات الخط كمفردة قائمة بذاتها.

 

 وثمة خيط يصل بين حروفياته الجديدة، يمكن أن نصفه بالإشراق الروحي الذي نلمسه كلما تأملنا في البؤر اللونية التي تشع بالضوء، وكأن اللوحة اتخذت الحروفية جسراً لعبور الدلالة الصوفية أو الفكرة العميقة، فتحولت الحروفية من معنى جمالي تجريدي إلى جسد للتعبير عن ما وراء الشكل، بالاعتماد على رؤية تنتقي ألوانها بما يليق بجلال الفكرة وسطوع المعنى في أعماق الفنان قبل أن تتخلق تمثيلاته على فراغ اللوحة.  

 

slamy77@gmail.com
طباعة