أمن الطاقة

    جورج فهيم

     

    خلال العقد المقبل ستحتاج دول الخليج إلى أكثر من 80 غيغا واط لتوفير الطاقة الكهربائية اللازمة لاستمرار الطفرة الاقتصادية الهائلة التي أطلقت شراراتها الفوائض النفطية الضخمة، والتي كانت بمثابة سفينة نوح التي حمت الدول الخليجية من طوفان الركود الذي يجتاح الاقتصاد العالمي.
     
    وحتى الآن فإن الطاقة النووية هي البديل الوحيد العملي المتاح في الأفق لحل معضلة الطاقة النظيفة الرخيصة والقابلة للاعتماد عليها بعيداً عن تقلبات السياسة وارتفاعات الاسعار التي تقطع الامدادات وتعرقل الخطط  وتضع أمن الطاقة في مهب الريح. وليس هناك شك في أنه من السهل على الدول الخليجية العثور على شركات أجنبية متخصصة في مجال الطاقة النووية تقوم ببناء المفاعلات النووية وتجهيزها بطريقة تسليم المفتاح، ولكن التخطيط لمستقبل الطاقة لا يجب أن يكون بهذه البساطة، وإنما يجب أن يأخذ في اعتباره كل الاحتمالات بما في ذلك التفكير في ما يمكن أن يحدث لو قررت هذه الشركات التوقف عن إدارة المحطات والانسحاب نتيجة خلافات أو أزمة سياسية أو اقتصادية مع دولها، وهو أمر لا يمكن استبعاد حدوثه.
    وبالتأكيد فإن هذا الانسحاب لن يؤثر فقط في مليارات الاستثمارات التي ستضعها الدول الخليجية في بناء وإدارة وتشغيل هذه المحطات، ولكن ـ وهذا هو الأهم ـ سيؤثر في أمن الطاقة واستقلالية الاقتصاديات الخليجية التي قد تجد نفسها تحت رحمة هذه الشركات. وغني عن القول إن آخر ما تطمح إليه الدول الخليجية هو وضع اقتصادياتها في موقف تستبدل فيه الاعتماد على النفط بالاعتماد على الطاقة النووية التي تديرها شركات أجنبية. وليس هناك مفر للخروج من هذا المأزق وتحرير أمن الطاقة الخليجية من الاعتماد على الخارج سوى أن تضع برامج الطاقة النووية الخليجية على رأس أولوياتها مهمة إنشاء هيئة مسؤولة عن إعداد كوادر الخبراء والمهندسين والفنيين القادرين على إدارة هذه المحطات في المستقبل أو عند حدوث أي أزمة تعرقل إمداد الاقتصاديات باحتياجاتها من الطاقة.
     
    ومن المؤكد أن الشركات التي ستتولى إدارة المحطات على استعداد لأن تفعل أي شيء يطلب منها إلا نقل المعرفة والخبرة التكنولوجية لأنها تعلم أن اليوم الذي تنتقل فيه الخبرة والمعرفة  التكنولوجية إلى الكوادر الوطنية هو اليوم نفسه الذي ستزول فيه الحاجة إليها، ولذلك فإن مهمة تدريب هذه الكوادر يجب أن تدار بصورة منفصلة تماماً عن إدارة المحطات. وكما كانت الإمارات رائدة في استكشاف آفاق الطاقة النووية السلمية، فإن هذه الريادة تحتم عليها أيضاً السعي لإيجاد الوسائل والآليات المناسبة لبناء الكوادر القادرة على إدارة هذه المحطات  لتحرير أمن الطاقة من الوقوع في براثن التقلبات وتضارب المصالح. 

     georgefahim_63@hotmail.com  
    طباعة