أول مكتبة في الجزير

أحمد السلامي

 
ثمة أفراد يخدمون الحركة الثقافية في بلدانهم ويبذلون جهداً استثنائياً يفوق أحياناً جهد المؤسسات الرسمية، ولا يخلو بلد من أمثال هؤلاء.

كانت مدينة عدن في جنوب الجزيرة العربية تحفل بعائلات شهيرة، تمكنت منذ ما قبل منتصف القرن الماضي من تحويل المدينة إلى منارة ثقافية وأنموذج اجتماعي فريد للحياة المدنية المعاصرة، وحتى اليوم لاتزال عدن تضم شخصيات ثقافية محورية تسهم في صياغة المشهد الثقافي، من بين هؤلاء نبيل عبداللطيف عبادي الذي ينتمي لأسرة عاش أفرادها حياتهم بين الكتب، منذ الجد الأول عبادي حسن الذي هجر التجارة وأسس في عام 1890 أول مكتبة في الجزيرة العربية عرفت باسم «دار الكتب العربية» ولاتزال أبوابها مشرعة إلى يومنا.

الأسبوع الماضي كنت في زيارة للناشر نبيل عبادي، عاشق الكتب وحفيد مؤسس أقدم مكتبة في الجزيرة العربية، وها هو اليوم يغامر بعيداً عن حسابات الربح والخسارة ويحمل على عاتقه عبء نشر الأعمال الأدبية الجديدة في بلد يعاني ارتفاع نسبة الأمية.

شعراء وروائيون وكتاب قصة وأساتذة جامعات وباحثون، كل هؤلاء لجأوا إلى المركز الذي يديره نبيل في صنعاء لطباعة أعمالهم. أكثر من 2000 كتاب في حقول مختلفة رأت النور على يدي هذا الرجل، وكان أول من يتلمس صفحاتها قبل مؤلفيها، ووصلت مطبوعاته إلى أرقى المعاهد ومكتبات الجامعات في بعض العواصم الأوروبية المهتمة بتوثيق ودراسة الأدب العربي، وقبل أيام كان ضيفاً على معرض لندن للكتاب، وقبلها كان في باريس للمشاركة في ندوة حول الرواية اليمنية والسعودية.

 حين التقيت به، كان يتساءل بحيرة عن سبب توقف والد جده عن التجارة وقيامه بإنشاء المكتبة القديمة في عام 1890، لكنه لم يسأل نفسه، لماذا لم يصبح هو تاجراً؟ ولماذا تخلى عن الوظيفة الحكومية وقرر السير في الدرب الذي سلكته الأجيال الثلاثة السابقة من عائلته؟ ويبطل العجب حين نعرف كيف كانت علاقته منذ الطفولة بالمكتبة والكتب التي كانت تحتل مساحة لا بأس بها من منزل الأسرة.

كان الجد الذي أنشأ المكتبة القديمة تاجراً، قام برحلات إلى الهند ومصر وإفريقيا وبلاد الشام، كما سافر إلى فلسطين، ويقول الحفيد إن مطابع القدس في العشرينات كانت مشهورة وتجد شعارها على أغلفة بعض الكتب القديمة. وعن اختيار اسم «دار الكتب العربية» للمكتبة القديمة يقول الناقد هشام علي إن التسمية جاءت لتمييزها عن المكتبات الأخرى التي كانت تقتصر على بيع الكتب الهندية والإنجليزية أثناء الاحتلال البريطاني لعدن.
 
وهكذا توارث الأبناء أول مكتبة أدخلت الكتاب العربي المطبوع إلى المنطقة آنذاك، وخلال سنوات ما قبل الاستقلال، كانت المكتبة تقوم بتوزيع صور الزعيم جمال عبدالناصر على المتظاهرين في الاحتجاجات الشعبية المطالبة برحيل الاحتلال، ويروي عبادي مفارقة عجيبة عن هذا الموقف، يقول: كان والدي يوزّع صور ناصر في المظاهرات ضد الاستعمار، والغريب أن قوات الاحتلال البريطاني لم تكن تعترض، رغم العداء الشديد الذي كان قائما آنذاك بين عبدالناصر وبريطانيا. 
slamy77@gmail.com    
طباعة