التلقي.. المعادلة والحلّ

ياسر الأحمد

 

بعد كل تفاعل كيميائي تنطلق طاقة ما، عناصر التفاعل«تحسّ» بحرارة تلك الطاقة، وتحولها بشكل ما إلى شيء جديد مختلف. يأخذنا النص الأدبي بما يحمله من طاقة وما يبطنه من رموز، إلى ناتج جديد، أو شراكة رمزية بين الكاتب والمتلقي. الشراكة الرمزية هنا تمر بالنص كموصّل بين الطرفين، مفترضة أن النص هو «منتج» يحتاج تسويقاً جيداً عند المتلقي.

في هذه الحالة سينوء النص تحت ثقل الهاجس الجمعي، وقد يحاول تحقيق حالة الدمج الكيميائية، مستجيباً لشروط السوق. ليقع في تناقض بين ما يضمره الكاتب، وبين ما يقوله خدمة للمستهلك.

 

من جهة أخرى، لا تصف اللغة الشيء دفعة واحدة، بل تصفه مرات عديدة وبأشكال مختلفة، وبشكل ما تنتجه كنهر لا يتشابه أبداً. وما دامت اللغة متعددة الأوجه، والكاتب قادراً على اختيار وجه يختلف في كل نص عن غيره، فلماذا تقلقنا الاستجابة للوجه الشعبي للغة؟

رأي الكاتب نفسه مركز جاذبية، يسعى حين يكتب لمغنطة المتلقي، نجد هنا الخيال وقد اقترب من التواصل، وكأننا جسدٌ وآخَره، أو مكان يعانق السابلة.

 

ولكن هذه الجاذبية لا تلتزم بالقوانين دائماً، فقد يكسر المتلقي سطوة النص، يصنع نصاً موازياً، وقد تنتج اللغة احتمالات لا تُحتمل.

 

ومما لا يحتمل أن يصبح النص سلطةً، بينما يدعي تجاوزه لكل سلطة، بهذا يصدق القول إن النص أشبه بموجة ذهاباً وإياباً، بحيث يخفي في تلافيفه غير ما يعلنه، وبحيث تستيقظ مضمراته وتأثيراته، حتى وإن زعم الكاتب خلوه من الهدف.

 

هل من حل لتناقض الرغبة المضمرة بالتغيير، وادعاء البراءة من هذه الرغبة؟

يصف «نيتشه» الشعر بالتعبير الجسدي عن حيوية الإنسان، عبر ممارسة الاندفاعات العميقة، ويصف الفكر بالقسم البارد من الإنسان. نصوصه كانت مستنداً لبعض العنصريين، لم يقصد أن يقتل بنصه أحداً، لكن ما أضمرته نصوصه من اندفاعات واكتساحات سوّغت القتل باسم النص. إذاً يخرج النص عبر التأويل من مدينة الفهم إلى مدينة الفعل، مبتكراً طرقاً في التعبير لا تقل جمالاً أو قبحاً عن النص كما بدأ أول وهلة.

 

ولكن إذا فحصنا النص المتغيّر فلعلنا نجد إرادة التعبير عن الحقيقة ماثلة، ولكن بقسوة، فالإرادات تحضر في المتلقي كطاقة، وفي الكاتب كمادة أولية.

 

بين أن يراعي الكاتب حاجته الخاصة للتعبير، أو حاجة المتلقي للحضور في النص، حتى قبل كتابته، وبين أن يتحول الكاتب إلى جزء من قصف خارجي عنيف، أو أن يحافظ على موقعه المفترض، كوسيط بين الفكرة والمتلقي. بينهما نحتاج إلى حقل يتسع لغناء الطرفين، ويتسع لهذه المعادلة الباحثة عن شكل للروح، شكل يعتني بأن يكون الكاتب والمتلقي نُدامى في حفلة، وحاضرين كخيط رقيق وشلال قادم من الأعلى. لكن من يضمن أن رقة  الخيط ليست أوضح من هدير الشلال.

 

ytah76@hotmail.com
طباعة