الغذاء ليس للبيع

    جورج فهيم

        

    اعتدنا اضطرابات أسواق الأسهم والبترول والعملات والمعادن، وأصبحت أخبار خسائرها، التي تقدر بالمليارات، أمراً عادياً تتناقله الصحف ووسائل الإعلام، على اعتبار أنها لا تخص سوى حفنة قليلة من الأغنياء الذين يمتلكون المال، والذين لا يهتمون كثيراً إذا هم فقدوا بضعة آلاف من الدولارات.
     
    لكن العالم على وشك أن يسقط الآن في براثن نوع جديد من الاضطرابات في أسواق الغذاء، لن تسلب الفقراء فقط حقهم في الغذاء، وإنما ستعني أنه حتى الأغنياء الذين تتوافر لهم الأموال، لن يجدوا ما يحتاجون إليه في الأسواق لشرائه؛ لأن الغذاء لم يعد ببساطة للبيع، والأولوية في الحصول عليه ليست لمن يدفع فيه ثمناً أكبر، إنما لمن يزرعه وينتجه.
     
    وبالتالي ستتغير الكثير من البديهيات والقواعد التي قامت عليها حركة التجارة العالمية التي ظلت مطبقة طوال قرون عدة. منذ عام 2005 ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 75%، وزادت أسعار القمح والذرة والأرز ثلاث مرات خلال أقل من عام واحد، ووفقاً لمؤشر أسعار المواد الغذائية، الذي تصدره منظمة الأغذية والزراعة «الفاو» فإن أسعار المواد الغذائية زادت بنسبة 40% منذ عام .2007 والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هو: «لماذا هذه القفزات المتوالية في أسعار الغذاء، والتي لم يشهدها العالم من قبل؟»
     
     الإجابة ببساطة تعود إلى صناديق المضاربة التي اكتوت بنيران التقلبات في أسواق البترول والعملات وبقية الأصول فدخلت إلى أسواق الغذاء سعياً وراء الاحتماء من التقلبات، وتحقيق عائدات أعلى تمكّنها من مواجهة التضخم الذي يلتهم أرباحها.
     
    ومن اللافت للنظر أن طفرة أسعار المواد الغذائية تتواكب مع تراجع غير مسبوق في مخزونات العالم من المواد الغذائية، التي لم تعد تكفي سوى لمدة 12 أسبوعاً فقط، أي أقل من شهرين ونصف الشهر، وما لم يتم إعادة ملء هذه المخزونات فإن الحكومات لن تجد ما تطعم به شعوبها. وقد دفعت هذه الأزمة بالفعل بالعديد من الدول التي كانت في الماضي من أكبر الدول المصدّرة للحبوب الغذائية مثل أستراليا والأرجنتين وروسيا إلى حظر تصدير الحبوب الغذائية لتأمين احتياجات شعوبها، وهذا بدوره أدى إلى انكماش حجم سوق تجارة الحـبوب الغذائية، وزيـادة حـدة التـقلبات فيـها.
     
    ولا شك في أن هذه الأزمة تدفع بقضية الأمن الغذائي إلى الواجهة بقوة، وتضع غالبية حكومات العالم في مواجهة مع البطون الجائعة التي كانت تنفق في الماضي -وقبل ارتفاع الأسعار- أكثر من 50% من دخلها على الغذاء، ولكنها تجد نفسها هذه المرة مضطرة إلى أن تنفق دخلها بالكامل على الغذاء وتتحوّل إلى آلات تعيش لكي تأكل، لا أن تأكل لكي تعيش.  
     
     
    طباعة