المرأة داخل النص

ياسر الأحمد

 

مرة وصف ناقد الأديب العراقي علي الوردي بأنه تاجر، فكان رده بأنه يفتخر بأن يقدم للناس ما يشتهون وما ينفعهم، كما يفعل ذلك صانع الأحذية أو بائع البطيخ.
وهو في رده يلخص صراعاً قديماً جديداً بين مدرستين في الأدب، فمدرسة ترى أن الأدب الحقيقي هو الأدب الذي يقدم الشاعر والأديب في مظهر فحولي خاص،«فالشاعر الفذّ بين الناس رحمن» كما يقول العقاد الأكثر عداوة للمرأة، ومدرسة أخرى ترى أن الأدب يجب أن يترك برجه العاجي، ويحط رحاله قريباً من همومه ومشكلاته، ليقترب الأدب من المجتمع. هناك جانب آخر للصورة يتعلق بمدى تطابق الأدب مع المجتمع ومدى ما يعكسه من تناقضاته وصراعاته، والتعبير الأكثر وضوحاً من هذه الزاوية هو قدرة الأدب على تمثل المرأة كمؤثر في المجتمع. فكلما وضع الأدب المرأة في مكان متميز،كان قريباً من مجتمعه فعلاً.
 
وهذا ما ينطبق على الأدب الشعبي المحكي وألف ليلة وليلة وهي التي قال عنها ناقد عربي قديم إنها قصص لا تصلح إلا للنساء والأطفال والسفهاء، فهي من إبداع المرأة، وهي باب للدخول في اللغة المفرغة للرجل، ولذلك وجدنا ابن جني يقول «تذكير المؤنث واسع جداً لأنه ردٌ إلى الأصل»، فالمؤنث في حساباته ليس سوى فرع من شجرة الذكورة،  أو زهرة في بستان الفحولة. ولذلك تكون الفصاحة في أن نقول عن المرأة زوج فلان لا زوجة فلان، فالفصاحة في مدلولها الاجتماعي سيطرة الذكورة على الأنوثة حتى أن الجاحظ يجد اللثغة في المرأة الحسناء علامة من علامات الجمال. وحتى لا نظن أن الأمر متعلق بالثقافة العربية فقط، فسنقرأ لفرويد «أن المرأة لا تصل إلى مرحلة الأنوثة الكاملة إلا عبر الاستسلام الكامل للرجل وهي بذلك تحقق درجة كبيرة من الوعي بإدراكها لنقصها» .
 
وفي إحصاء أميركي كانت نسبة النساء اللواتي يتعرضن للضرب من أزواجهن هي النصف، والأمر في جانب منه يرجع إلى أن الرجل خزن في لاوعيه صورة نمطية للمرأة، وهي صورة المرأة السلبية المتلقية، وبالتالي فهو عندما يرى نموذجاً فعالاً ومشاركاً ومثقفاً وقادراً على عرض نفسه بشكل جيد، سيلجأ للعنف ليطابق الواقع مع اللاوعي.
 
ولكننا نستطيع أن نجد روائياً كأمين معلوف يقيم روايته «القرن الأول بعد بياتريس» على أن العلم سيجد طريقة ليجعل من المواليد كلهم إناثاً، وكأنه بذلك ينتقم للمرأة من زمان الوأد. لكن الجانب الأكثر ظلاماً هو أن نرى المرأة وقد لبست لبوس الفحولة، وبدلاً من أن تستجيب لأنوثتها وتدافع عن تفردها، تقوم بتقمص دور الفحل.
 
 وفي كثير من جرائم الشرف سنجد الأم وقد حرضت وربما ساهمت في قتل ابنتها، فهي تتبنى قيماً فرضها الرجل وتدافع عنها. المرأة في حالة كهذه الحالة تستلب أنوثتها بيدها، وتقدمها للفحل المسيطر كي يرسخ سيطرته وسيطرة ثقافته أكثر. وأن تفكر الضحية كما يفكر الجلاد، فتلك حالة تستحق الرثاء والتأمل. 
 
  
طباعة