منتجات بعيدة عن الرقابة!

   
أصرّ مسؤول غذائي كبير في جهاز محلي على نشر توضيح في الصحيفة يؤكد  خلو منتجات «جاربر» الغذائية من مادة الـ«دايوكسين» المسرطنة، موضحاً أن هناك فرقاً بين «منتجات الأطفال» التي تم اكتشاف وجود المادة فيها بنسب أعلى من المسموح به، وبين «منتجات غذاء الأطفال» الخالية من هذه المادة، والتي يحكم جهازه السيطرة والرقابة عليها في الدولة..

 
بالتأكيد شكرته على دقة الرقابة أولاً والاهتمام بصحة الناس، وعلى التوضيح ثانياً، لكني سألته: «وماذا عن الكريمات والشامبوهات والـ24 سلعة أميركية التي كشف تقرير اتحاد المستهلكين الأميركيين احتواءها على المادة المسرطنة؟» أجاب بكل شفافية ووضوح: «أنا لا أشكك في التقرير الأميركي، وهذه المنتجات تحتوي على هذه المادة، وهي منتشرة في كل أسواق الدولة، لكن اعذرني يا أخي فالتفتيش عليها ليس من ضمن صلاحياتي إطلاقاً، فالجهاز الذي أشرف عليه يختص بكل ما هو غذائي، يعني فقط كل ما «يدخل الفم»، وأعتقد أن الكريمات والأدوات «شبه الطبية» هي من اختصاص جهات أخرى، ربما تكون جهات صحية!».

 

وربما كان كلام المسؤول الغذائي منطقياً، إذا سلّمنا بوجود صلاحيات واضحة ومقسّمة بين الجهات، ولكن المشكلة الكبرى التي ترتقي لأن تصبح أقرب للمصيبة، أن هناك الكثير من المنتجات تقع في مناطق ضبابية في اختصاص الوزارات والجهات الرقابية، وبالتالي فهي بعيدة عن الرقابة تماماً لأن الجميع يتبرأ منها، هذه المنتجات للأسف الشديد وصل عددها الى أكثر من 30 ألف منتج، تحمل صفة الادّعاء الطبي لكنها ليست «طبية»، فهي لا تخضع لمعايير ورقابة وزارة الصحة، المعنية في الرقابة والإشراف على الأدوية والمنتجات الطبية فقط، كما أنها تسقط تماماً من أجهزة الرقابة التابعة للبلديات؛ لأنها ليست «أغذية»، وبالتأكيد لا يمكن مراقبتها من الدوائر الاقتصادية لأنها «لا تراقب شيئاً»!!

 
تخيلوا «كريمات» و«شامبوهات» و«مستحضرات تجميل» و«مواد تجميلية» وأشياء أخرى كثيرة وكثيرة، منتشرة في كل صيدلية و«سوبرماركت»، يستخدمها جميع أفراد العائلة من الأطفال وحتى الكبار، الرجال والنساء، وهي لا تخضع للرقابة ولا أحد يعرف عن مكوناتها شيئاً، وكنا في غفلة عنها حتى أتى كشف تقرير اتحاد المستهلكين الأميركيين - الله يطوّل أعمارهم - أن هذه المواد وغيرها، التي تضم أشهر «الماركات» العالمية هي مواد مسرطنة بسبب احتوائها على مادة «دايوكسين»!


إذن وراء كل مصيبة في الدولة تقبع كلمة اسمها «الرقابة»، قلت سابقاً إنها «معدومة» في المنافذ البحرية، وهي بلا شك «معدومة» في أماكن التخزين والمناطق الصناعية، وها هي اليوم تنعدم في الأسواق!!


مصيبة الـ«دايوكسين» و«شامبوهات البيبي جونسون» التي لا يوجد طفل ولا حتى «أبوه» في الإمارات لم يستخدمها، لم تحرك ساكناً عند المسؤولين، ولم نسمع عن فتح تحقيق لغياب الرقابة على هذه المنتجات «شبه الطبية» بسبب اختلاف الصلاحيات!!

 

أليس من الأجدر العمل على إنشاء هيئة خاصة تراقب هذه المنتجات كما هو معمول به في كثير من دول العالم المتطورة، بما فيها دول خليجية قريبة، أم ستظل الدولة «وكالة من غير بوّاب» لـ30 ألف منتج تنشر الرعب والمرض بين المواطنين والمقيمين، وسنظل دائماً ننتظر تقرير المستهلكين الأميركيين؟!   

reyami@emaratalyoum.com