لحـاظ الـغـزالي.. طـبـيـبـة تجـارب الأمـراض الـوراثـيـة

 
سافرت إلى بريطانيا كي تتخصص في علم الأمراض الوراثية بنية العودة إلى العراق لمساعدة الأطفال والعائلات، غير أن الأحوال في بلدها الأم لم تشجعها، فبقيت في عاصمة الضباب نحو 15 سنة، حيث عملت وقامت بأبحاث علمية قيمة؛ إنها الطبيبة العراقية لحاظ الغزالي.


أتت الغزالي إلى دولة الإمارات عام 1990 بغية الاستقرار في بلد عربي، ليعيش أولادها الثلاثة في أجواء عربية ومحافظة على التقاليد والعادات، في حين انخرطت في عالم الجينات والأمراض الوراثية أكثر وأكثر، وتفتح الباب عريضاً لعلم نادر الوجود في المنطقة، وتفوز بجائزة عالمية لإنجازاتها في الأمراض الوراثية المنتشرة بكثرة بسبب زواج الأقارب. 


هدف ورسالة
بعد أن أنهت دراسة طب الأطفال في العراق، قررت الغزالي دخول معترك الأمراض الوراثية لحبها بالأطفال ورغبتها في إنقاذ حياة المرضى منهم، خصوصا أنه لا يوجد أطباء أو باحثون عراقيون متخصصون في هذا النوع من الأمراض المنتشرة بكثرة في العراق، وتقول «كانوا يكتفون بالقول للأهل بأن أطفالهم يعانون من تشوهات خلقية شاذة من دون أن يعطوا السبب أو المشكلة»، لذلك صممت تسليط الضوء على هذه المشكلات المستعصية بغية إعطاء الأجوبة. وعلى الرغم من ذلك، ترفض الغزالي إعطاء النصائح بشأن الاحتفاظ بالجنين أو لا، قائلةً «تحرم الأديان السماوية الإجهاض، لذلك أحرص على توضيح المشكلة وأسبابها فقط»، خصوصا أن القانون يمنعه أيضاً إلا في حالات معينة. 

 

يعيش الطبيب نوعاً من الحيرة والضياع بسبب عمله، وتشرح الغزالي «ما زال الشرع مختلفاً حول إمكانية إجهاض الجنين المصاب بمرض وراثي»، فبعضهم لا يجيزه بعد أن يبلغ الجنين 40 يوماً في حين يسمح به آخرون عندما يبلغ الأربعة شهور، غير أن المشكلة الجينية لا تظهر خلال أول 40 يوماً من الحمل، ما يصعب المهمة كثيراً.

 

وتوضح الغزالي أن عملها ينقسم إلى شقين؛ تكتشف الأمراض الوراثية لزوارها، ثم تقوم بتوعيتهم، خصوصا أن لا علاجات للأمراض الناتجة من الأخطاء الجينية، ومؤكدةً أن اكتشاف وجود الخلل قبل الزواج لم يمنع الكثير من الارتباط وإنجاب الأطفال، وتقول «ينتشر زواج الأقارب في هذه المنطقة منذ عشرات السنين، لذلك يصعب إقناعهم بالعدول عنه، لأنه يعتبر من العادات والتقاليد»، لذلك تنصح بتحليل شجرة العائلة بغية اكتشاف أي مشكلة محتملة، لكنها تشرح أن الوقاية والتوعية هما السبيل الوحيد لتفادي هذه الأمراض التي تسبب العذاب والآلام. وتشدد الغزالي على أن تحليل شبكة العائلة ضروري لأنه يلقي الضوء على المشكلة، وتظهر كل الاحتمالات ويضع الزوجين على أرض الواقع، غير أنها لا تستطيع منعهم من الزواج، مهما كانت الاحتمالات كبيرة، لكنها تقول: إن التخصيب الاصطناعي حل مقبول أخلاقياً ودينياً ويكلف نحو 15 ألف درهم. 


 وعلى الرغم من عدم اكتشاف العلاجات أو أدوية شافية للأمراض المستعصية، تفسر الغزالي أن بعض المصابين يمكن أن يعيشوا حياة «لا بأس بها»، وتقول «يحتاج الطفل المصاب بالثلاسيميا إلى أدوية ونقل دم شهرياً غير أنه يشفى عند زرع نخاع شوكي جديد»، في حين يحاولون تخفيف آلام وأوجاع المصابين بتشوهات خلقية؛ كي لا تزداد حالاتهم سوءاً. تشير الغزالي إلى أن السبب الرئيس لهذه الأمراض في العالم العربي هو زواج الأقارب، غير أن المحيط يمكن أن يساعد على نشوء أمراض أخرى كالسكري، قائلة «عدم الانتباه إلى النظام الغذائي والخمول يساعدان حامل المرض على الإصابة به»، فضلاً عن أنه يعتبر من الأمراض الأكثر انتشاراً في العالم.

 

حلم يتحقق
سافرت الغزالي إلى بريطانيا، حيث تخصصت في طب الأمراض الجينية والوراثية وتشرح «اكتشفت الأمراض والحالات نفسها في البلدين لذلك أشعر بأني حققت جزءاً من هدفي». في المقابل، تشعر الطبيبة العراقية بنوع من الغربة، وتوضح «اجتهدت كثيراً كي أثبت قدراتي ومهاراتي لأني غريبة، سواء أكنت في بريطانيا أو الإمارات»، متمنيةً العودة إلى العراق، الذي تركته عام 1976، لكنها تشدد على أن الأوضاع الراهنة تشكل عائقاً كبيراً، لذلك تفضل البقاء في الإمارات حيث يعم الاستقرار والأمن والعادات العربية. قبل قدومها وعائلتها إلى الإمارات، اكتشفت وزوجها أن العيش في الغرب لن يكون مفيداً لأولادها الثلاثة، وقالت «عشنا نحو 15 سنة في بريطانيا لكننا قررنا المجيء لفترة محددة إلى الإمارات؛ كي يعيش أولادي في بيئة عربية مليئة بالعادات والتقاليد، ويتعلموا اللغة أيضا»، إلا أنها قررت البقاء لأنها وجدت المجال مفتوحاً أمامها للتقدم في عملها، فضلاً عن أن البلد يشهد تطوراً ملحوظاً. فبالإضافة إلى مهنتها كطبيبة، تعمل الغزالي أستاذة جامعية في كلية الطب في جامعة الإمارات في العين.

 

عربون تقدير واعتراف
و تشير الغزالي أن المرأة يمكن أن توفق بين عملها وعائلتها، خصوصا أنها تحمل رسالة سامية ألا وهي مساعدة المحتاجين وتقديم العون لهم. من ناحيتها، قصرت الطبيبة قليلاً تجاه عائلتها، خصوصا أنها كانت أم عاملة وحيدة وبعيدة عن عائلتها، لكنها تشكر الله لأن أولادها الثلاثة كبروا وتعلموا وأصبحوا قادرين على تحمل المسؤولية وتحقيق أحلامهم، وقالت «أنا وزوجي طبيبان، وقد اختار اثنان من أبنائي الطب كمهنة، أما الثالثة فهي محامية».  أما الدليل الأبرز على نجاحها، فكان حصول الغزالي على جائزة «لوريال 2008»  المقدمة من منظمة اليونسكو، وقالت «أحدث نقلة نوعية في مجال الأمراض الوراثية في الإمارات لأن هذا العلم نادر الوجود في المنطقة»، فقد أسست عيادة خاصة بعلم الوراثة وقمت بحملات توعية وأبحاث واختبارات عدة، وتضيف أنها معروفة عالمياً، خصوصا أن أطباء كثر يطلبون مساعدتها وتعاونها. ترى الغزالي أن التعاون أمر ضروري في عمل الطبيب والعالِم، لذلك أنشأت شبكة معارف كبيرة، وتشرح «أتعاون وأتناقش مع زملائي وفريق عملي»، خصوصا أن الأبحاث تتطلب عددا من الباحثين والمفتشين. 

 

عبرت الغزالي عن سعادتها لنيلها الجائزة غير أنها تعتبر مهمتها الإنسانية أكبر وأسمى، إذ إنها تريد مساعدة الناس في الدرجة الأولى، وتقول «تعد هذه الجائزة دليلاً واضحاً على تفوقي في مجالي، خصوصا أني تعذبت كثيراً للوصول»، لكن «من زرع حصد»، فالتعب الذي عانت منه أتى بنتيجة إيجابية ومشجعة بغية القيام بالمزيد من الأبحاث والاختبارات. وعلى الرغم من العذابات، تشجع الغزالي طلابها على اختيار هذا الاختصاص، لأنه جديد ونادر في العالم العربي.


نشرت الغزالي نحو 140 بحثاً في منشورات ومجلات عالمية، وقالت «نلت الجائزة بسبب أبحاثي القيمة، وقد قيمها كبار الأطباء والباحثين في العالم»، كما استحقت جائزة مالية قدرها 100 ألف دولار أميركي، وأكدت «تعتبر المادة عنصراً مهماً في الإمارات لأن الرواتب ليست عالية»، وأضافت أنها أخذت المبلغ كمكافأة شخصية. من ناحية أخرى، أشارت الطبيبة العربية الفائزة إلى أنها تتلقى مساعدات ومنح كي تقوم بأبحاث علمية، «فقد قدمت جامعتا الإمارات وهارفرد مبلغ 500 ألف دولار أميركي»، وكذلك الملك السعودي وعدد من الأمراء والشيوخ الإماراتيين، خصوصا أن الأبحاث تتطلب أجهزة وتقنيات غالية الثمن، بالإضافة إلى الخبراء والتقنيين. 

 

لا تحب الغزالي الشهرة بل تكرهها، ولا تسعى إليها بل ترغب في نيل حصتها كاملة من التقدير والاعتراف بقدراتها، وتشرح «أحب نظرة الفخر والاعتزاز في أعين أولادي لأني نجحت وفزت»، معترفةً أنها امرأة متحفظة ومحافظة وتحلم بإنشاء مركز كبير للأمراض الوراثية والجينية في دبي لمساعدة الإماراتيين وكل مواطني العالم العربي.

 

وكذلك، شعرت الغزالي بالفخر عندما استقبل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي العالمات الفائزات بجائزة «لوريال- يونسكو» في قصر الإليزيه، وقالت «استقبلنا استقبال الرؤساء وكرمنا لانجازاتنا العلمية»، مؤكدةً أنها لن تنسى هذا الحدث المهم، ومتمنيةً أن يقوم الرؤساء العرب بمثل هذه البادرة التي تشجع المرأة على العطاء والمساعدة، وكاعتراف بكونها نصف المجتمع وركناً من أركانه الأساسية. أما شخصياً، تقول الغزالي إنها تعتبر نفسها سفيرة للمرأة والطفل في العالم، خصوصا بعد أن نالت هذه الجائزة فتحت أمامها إمكانية التعاون مع أطباء عالميين، آملة اكتشاف علاجات ناجحة.

 

في النهاية، شددت الغزالي على ضرورة نشر التوعية وزيادتها في المدارس، «يجب أن يستوعب الأطفال مدى خطورة الأمراض الوراثية منذ صغرهم»، وتكثيف الحملات في وسائل الإعلام.