أقول لكم


أحاول أن أجيب عن سؤال الأمس، ولكن الإجابة لا تريد أن تخرج، هل تعرفون لماذا؟ لأننا لا نفرق ما بين المبالغة والنقاش الوطني، ونعرف بأن القضايا الوطنية لا تحل إلا عبر الجدل المستمر، وأن كثيراً من المسائل لا يمكن أن تسمع أو ينتبه لها إذا عولجت عبر أصحاب الرأي والفكر دون تعمّق وتشريح كامل لسلبياتها وخطورتها على المجتمع، وهذا يعني أن القضايا ذات الاهتمام العام يجب أن تحظى بفرصة كبيرة من النقاش والجدل وتبادل وجهات النظر، حتى يكـوّن صانع القرار رأياً وينتج هذا الرأي قراراً فاعلاً. 


وما واجهته لغتنا من اعتداء صارخ على كل المستويات هي المبالغة بعينها، أما الدفاع فقد كان محاولة جادة لكبح جماح الانجراف خلف أصحاب فكر «التغريب» أولئك القلة القليلة التى استطاعت أن توجه سياساتنا واتجاهاتنا نحو المجهول، وما كان صحيحاً أن نضم أيدينا ونغمض أعيننا ثم نقول أن لا خوف على لغة القرآن الكريم من الضياع، فهذه اللغة حتى تسود هذه الأرض وما دونها بحاجة إلى وقود دائم، ووقود اللغة العربية رجال آمنوا بمكانتها وأهميتها على مر العصور والأزمان، وها هي خريطة العالم أمامكم اليوم، فانظروا إليها، وقارنوها بخريطة وضعها المستشرقون قبل أقل من 200 سنة، وستعرفون كيف انكمشت هذه اللغة العظيمة إلى الحدود التي نراها اليوم فقط، من هنا، من الخليج بأقصى جنوبه الشرقي، إلى هناك عند أطراف «كركوك» في الشمال الشرقي، إلى أقصى المغرب الجنوبي عند موريتانيا، ومن يريد أن يعود إلى أقل من قرن أو يقرأ «لوريمر» أو غيره فليعد، وسيعرف أن هذه اللغة كادت أن تختفي بالكامل من الساحل الشرقي للخليج، ومن الساحل الشرقي لإفريقيا، حتى في الدول التي تنتمي إلى الجامعة العربية مثل الصومال وجيبوتي وجزر القمر، وفي عمق الشمال الإفريقي في تشـاد والسنغال والنيجر. 


لن أرد على من قال إننا بالغنا في الدفاع عن اللغة العربية، فآلاف الرسـائل التي تسلمناها تؤكد حرص أبناء هذه الأمة على لغتهم وهويتهم، وفرحهم بقرار مجلس الوزراء والذي عبروا عنه بتبادل التهاني والتبريكات عبر الرسائل الهاتفية، ولن أجيب عن سـؤال سـألته لكم بعد أن تبين لي أن من قال إننا بالغنا لم يكن إلا فرداً واحداً قال ما قال من باب «السـواد» الذي لا تمر منه المصلحة العامة.