جسر التواصل الحضاري بانتظار الدعم الحكومي

طالب عدد من المثقفين الاماراتيين بضرورة دعم الحكومات العربية  لمشروعات الترجمة، ووضع هذا الدعم وفق إطار مؤسسي بحيث تخصص لها ميزانيات خاصة نظرا للأهمية الخاصة التي يتمتع بها هذا القطاع مرآةً حضارية، وشاهداً على الحراك الابداعي والثقافي، مشيرين في الوقت ذاته الى ان الحضارة الاوروبية قامت بترجمة الكثير من الكتب الاساسية في الثقافة العربية، وخاصة أمهات الكتب والمراجع الاسلامية والتراثية، الى جانب الكتب الادبية لعدد من الادباء العرب.
 
وأكدوا ان الترجمة تلعب دورا في تعزيز الروابط الثقافية وتوحيدها، وإلغاء الحواجز والحدود التي صنعتها السياسة، مجمعين على ان الترجمة هي بالاساس حركة انسانية تعدّ ركيزة للعلاقات بين البشر. 

وعبر هذه الاسطر  تواصل « الإمارات اليوم » استطلاع آراء عدد من الشخصيات الثقافية حول واقع الترجمة وأهميته في التقريب بين الثقافات.

معرفة الآخر
مسؤول النشر في دائرة الثقافة والاعلان في حكومة الشارقة الدكتور عمر عبدالعزيز قال «إن الترجمة هي الوسيلة المثلى للعلاقات الانسانية، وهي جسر الوصول الى الانتشار عالميا، اضافة الى انها وسيلة لتقديم الذات للآخر».
 
وقسم عبدالعزيز اهمية الترجمة الى تنوع التراث الانساني والخصوصيات التي تتصل وتنفصل «فمن ناحية الاتصال نستطيع القول إن الفكر الانساني محبوس بالاسئلة الوجودية ذاتها، أما من ناحية الانفصال فإن لكل تجربة انسانية قيما نوعية وطريقة ووجهة نظر».
 
مؤكدا أنه «لولا الترجمة لما عرفنا الفكر البوذي الاسيوي والديانات السابقة للاسلام والفلسفات الاوروبية وما يجري في العالم من اجتهادات»، منتقلا للحديث عن ضرورة الاهتمام بالترجمة «خاصة في وجود الكمبيوتر الذي يتمثل في محرك البحث، وهو الوسيلة الاكثر عصرية لقراءة الرؤى الانسانية المختلفة والتي تقدم بكثير من اللغات».

آملا أن «يتم الشروع في خلق محرك بحث عربي قادر على ترجمة كتبنا الى اللغات الانسانية، وهو امر منوط بالحكومات والمؤسسات العربية».
 
نقل الثقافات
في المقابل قال الكاتب عبدالله السجواني «تعد الترجمة ومنذ احقاب بعيدة من العوامل المهمة في تعريب الثقافات ووجهات النظر ونقلها، والوقوف على رأس الانجازات العلمية والثقافية، بل هي أهم مسببات التحام الشعوب وتكاتفها على مختلف الصعد خاصة الثقافية».
 
وأضاف السجواني «رقي المجتمعات تبلور في الاساس برقي الترجمة وشموليتها وإعطائها الاهمية القصوى في البذل والسخاء للمترجمين، يصلان الى وزن الكتاب بالذهب.  مضيفا «كم من امة اخذت مكانتها في التألق والتطور نظرا لنشاط الترجمة لديها، ولمنهجيتها الثابتة والمعتدلة التي تغرس بذور الثقافات الناصعة بغية انتعاش شعوبها فكرا ووعيا وفهما، كأسلحة يمكن الاعتداد بها في مواجهة اي تيارات دخيلة تحاول كسر شوكة هذه الامة وإضعافها والسيطرة عليها بشكل كامل». 

وأوضح  السجواني ان « الغرب لم يتألق ولم يعتل مكانته المرموقه في ميادين العلم والمعرفة، الا بعد ان شق طريقا طويلا في عمليات الترجمة للفكر العربي والاسلامي، مستلهما كل طروحات العرب وآرائهم ، مطبقا اياها خير تطبيق عبر الحياة ليصل بعد حين الى مستوى عال من التطور تمخض عن اختراعات متلاحقة ومبتكرات واكتشافات غاية في الاهمية، من حيث فاعليتها وفائدتها على الانسان والحيوان معا».
 
مشددا على أنه «لا بد ان ينهج العرب والمسلمون النهج ذاته لبلوغ تلك المرتبة في التطور، بإحياء أساليب الترجمة الصحيحة ومنهجيتها الثابتة». مشيرا الى «اننا ملتزمون اليوم بتكثيف عوامل الترجمة عن لغة العدو «العبرية» للوقوف على ما يخطط له بغية الحيطة والحذر ثم التصدي والمواجهة».
 
وأضاف «يجب علينا وضع خطوة صحيحة نحو الامام في طريق مستقبلنا ومستقبل اجيالنا العربية، بالتركيز على الترجمة ونقل الفكر الجيد الى شبابنا خاصة، وعبر وسائل النقل الحديثة مثل الانترنت».

وفي المقابل قال رئيس جمعية المسرحيين اسماعيل عبدالله « الثقافة أهم جسر للتقريب بين الشعوب، فالإنسان مهما كانت جنسيته هو المحرك الرئيس في لغة الحوار»، مشيرا الى ان «النهضة الاوروبية اعتمدت في حضارتها على التجربة والثقافة الاسلاميتين، ونحن المجتمعات عربية الآن، نتعلم من الثقافة الاوربية في كثير من نواحي الحياة».

متسائلا «لكن ما هي الثقافة التي يجب ان نصدرها إلى الآخر؟مشكلتنا الرئيسة تكمن في تصدير هذه الثقافة، لأننا لا نحسن اختيار مادتنا، عكسهم تماما». مؤكدا أن «هذا العمل يجب ان يكون منوطا بالمؤسسات أكثر من الجهد الشخصي»، منتقلا إلى الحديث عن ثقافة المسرح «على اعتبار ان تأثيره أكبر وقادر على خلق توليفة من التواصل من خلال العروض خارج نطاق الدولة».
 
مشددا «على ضرورة الاهتمام بشكل جدي بقضية الترجمة المتبادلة التي يجب ان تكون على  المستوى نفسه، من حيث المضمون والقضية المراد طرحها وإيصالها إلى الآخر».
 
حركة إنسانية
الشاعرة الهنوف محمد وصفت الترجمة بأنها   «حركة انسانية تعد ركيزة للعلاقات بين البشر»، مشيرة الى ان «قيمة الترجمة ما زالت غير واضحة للكثير من المثقفين، فالفرق في المفهوم  بين المثقفين العرب في اوطانهم، والمثقفين العرب في المنفى، يوضح ان المنفى استطاع ان يعزز ثقة المثقف العربي بنفسه». مؤكدة «ان المثقف العربي بشكل عام ليس لديه ثقة بالنفس ليعرض أعماله»، مشددة على «ضروروة وجود جهات او مؤسسات تدعم المسيرة الثقافية، من خلال انتقاء المواضيع المهمة وترجمتها الى لغات مختلفة». المسرحي العراقي محمود أبو العباس  قال «الامر يكاد يكون بديهيا اذا شرحنا اهمية الترجمة في تبادل الافكار والاراء».
 
مشيرا الى ان « الكثير من الابداعات العربية اعتمدت على ابداعات غربية، ما جعل الادب العربي لا يتنفس من رئة سليمة»، موضحا «لا احد ينكر ان لدينا حضارة عريقة ممتدة منذ آلاف السنين والتي لا يعرف عنها أحد شيئا»، عازيا السبب الى أن «المؤسسات الثقافية التي لا تعترف بمبدعيها». داعيا  المؤسسات إلى ترجمة «عيون الادب العربي»، بداية لسلسلة من الترجمات التي تنقل صور واقعنا».
 
مشيرا الى«اننا نحن العرب لا نعرف الكثير عن أدب الشرق، وخاصة الادبيين الصيني والياباني منه، فقد اقتصرت الترجمات على اللغات الرئيسة في العالم: الانجليزية والفرنسية وأحيانا الالمانية»، مشددا على «الحاجة  الى معرفة ثقافات اخرى من العالم وإطلاعهم على ثقافتنا ايضا»

10كتب  
مدير الانشطة الثقافية والاجتماعية في وزارة الثقافة حبيب غلوم تناول المسألة من ناحيتين، الاولى المستوى رسمي بوصفه مديرا للأنشطة الثقافية اذ قال « قمنا أخيرا باختيار فريق مميز للعمل على ترجمة 10 كتب على الاقل، على ان تكون الترجمة جاهزة في نهاية 2008».

وأكد « وجدت الادارة لدينا في هذا المبادرة خطوة لدعم الثقافة والفنون قدر المستطاع،و التي من شأنها فتح حوار مع الآخر». وأضاف غلوم «اما بالنسبة إلى المستوى الفني، فهو لا يبتعد كثيرا عن الواقع الثقافي، نحن نعيش في ظروف تحتم علينا ترجمة افكارنا الى لغات عدة.
 
مشيرا الى ان «الامارات اصبحت ساحة ثقافية كبيرة تستقبل كل عام ضمن فعالياتها المئات من الجنسيات الذين يجب  ان يعرفوا حكاياتنا وواقعنا وثقافاتنا، من خلال كتبنا ومسرحياتنا وأفلامنا».