ثورة ثقافية تجتاح استخبارات أميركا


لا يزال مجتمع الاستخبارات الأميركية يواجه تحديات عديدة ترتبط بطرق جمع المعلومات وصدقيتها وأساليب تحليلها وكيفية التعاون المشترك بين وكالاته وأجهزته المختلفة، رغم الجهود التي بذلت للعمل على إحداث تغييرات جوهرية في عمل هذا المجتمع منذ هجمات 11 سبتمبر 2001 والفشل في قصة أسلحة الدمار الشامل العراقية.
 

معارك مبكرة
ترى الكاتبة نانسي بيرنكوف توكر المساعدة السابقة لنائب مدير الاستخبارات الوطنية للمعايير والتكامل التحليلي، والذي يعمل تحت مظلة مكتب مدير الاستخبارات الوطنية، في مقال نشر تحت عنوان «الثورة الثقافية في الاستخبارات»، أن جهود إصلاح المجتمع الاستخباراتي قد بدأت في عام 2004 مع إقرار الكونغرس تأسيس مكتب مدير الاستخبارات الوطنية (ODNI) حيث أضحت الوكالات الاستخباراتية وكل الأجهزة الحكومية تعمل في إطار هذا البناء المؤسساتي الجديد، وهو ما أنهى نسبياً الخطوط التقليدية لتوزيع السلطات والموارد داخل هذا المجتمع الواسع.


ورغم الجهود التي يبذلها هذا المكتب منذ نشأته، إلا أن الممارسات تكشف عن ضرورة وجود أفعال حقيقية لإحداث ثورة ثقافية كبرى داخله، وليس فقط الاكتفاء بهذه التعديلات الشكلية، إذ يؤكد العديد من المنظمات المعنية ومراكز الفكر أن هناك نقصاً في رغبة المجتمع الاستخباراتي في تحقيق النجاح المنشود، كما ترى الدراسات الحكومية أن النتائج متواضعة للغاية حتى اليوم.


وعلى سبيل المثال، فإن تقدير الاستخبارات الوطنية لقدرات ونوايا إيران النووية الصادر في ديسمبر عام 2007، والذي جاء بنتائج مغايرة تماماً لتقرير استخباراتي صدر في عام 2005، وإن أكد أن ثمة تطبيقات واقترابات تحليلية جديدة جرى استخدامها، فإنه قد كشف عن خلل في ثقافة المجتمع الاستخباراتي العام بعد الانتقادات العديدة التي وجـهت لهذا التقرير.


وتعود الكاتبة إلى المعارك المبكرة التي خاضها البيت الأبيض من أجل ألا يرتفع صوت المجتمع الاستخباراتي بأكثر من المطلوب، وترى أن البيت الأبيض قد رفض كليةً في عام 2004 فكرة ترشيح مدير للاستخبارات الوطنية، من خارج فريق إدارة بوش، في استمرار للمقاومة السابقة من لدن البيت الأبيض ووزارة الدفاع لتطوير المجتمع الاستخباراتي منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وحتى هجمات سبتمبر 2001، حيث قدمت خلال هذه الفترة نحو 340 مقترحاً إصلاحياً، ومن بينها استحداث منصب مدير الاستخبارات الوطنية، الذي لم يبرز للوجود إلا في عام 2004 .


ورغماً عن ذلك لم يحصل مكتب مدير الاستخبارات الوطنية سوى بسلطة جزئية على الأجهزة الاستخباراتية الـ16 وموازنتها، كما عارضت وزارة الدفاع أن يدير هذا المكتب بشكل مباشر كل الأجهزة الاستخباراتية التابعة لها، وهي (وكالة الاستخبارات الدفاعية، ووكالة الاستخبارات الوطنية للتصوير والمسح الجغرافي، ومكتب الاستكشاف القومي، ووكالة الأمن القومي، ومراكز الخدمة الاستخباراتية)، ما أدى إلى عدم الوضوح وتضارب الاختصاصات والأولويات العملياتية والثقافية داخل المجتمع الاستخباراتي.

 

صدمة ثقافية
إن الكفاح عبر العقود الماضية لتغيير المعايير القديمة وإحداث ثورة حقيقية في ثقافة المجتمع الاستخباراتي لا ينبغي أن يتوقف عند هذا القدر؛ لأن هناك آلافاً دخلوا العالم الاستخباراتي في السنوات الاخيرة، ولا يزال العديد منهم يعمل وفق عقلية محافظة رغم أنهم أكثر انفتاحاً على التكنولوجيا الابتكارية ويقرأون بشغف المعلومات المصنفة والمتاحة.

 

وبناء على ما سبق، يرتبط التحول المأمول في أداء المجتمع الاستخباراتي ودور مدير مكتب الاستخبارات الوطنية، بالبدء تواً في إصلاح ناجح يرتكز على بعض العناصر، هي: أولاً توثيق أكبر العلاقة بين الوكالات الاستخباراتية وأعضاء الكونغرس، خصوصاً بعد أن بات الكونغرس أكثر جدية في الرقابة على هذا المجتمع منذ هجمات سبتمبر 2001 .

 

ولكي تكون هذه الرقابة بناءة يجب أن تخف حدة النبرة العدائية من لجان الرقابة والإشراف بمجلسي الشيوخ والنواب، ويجب ألا يتعامل مسؤولو المجتمع الاستخباراتي مع أعضاء الكونغرس بذات المنطق. 

 

ثانياً: يجب تأسيس جامعة مستقلة للاستخبارات الوطنية، للتأكد من حصول أعضاء الأجهزة الاستخباراتية على أفضل الممارسات التعليمية والتدريبية التي تشعر الجميع بأنهم متساوون في الفرص. ويجب أن تعمل هذه الجامعــة تحت مظـلة وكالات خاصة بحــيث تعتمد ثقافة جديـدة وطرق منهجــية حديثة ولا تخــرج نطــاق التحيز المعرفي عن المصــالح القومية الأميركية.

 

ثالثاً: لا يتطلب الإصلاح الاستخباراتي فقط البحث عن اقترابات تحليلية جديدة، لكن يستلزم كذلك تطوير مفاهيم أكثر إنتاجية في البيئات الاستخبارية. ولن ينتج هذا بشكل عشوائي أو عبر التجارب السابقة فقط. 

 

رابعاً: لا يكفي في كل الأحوال أن تؤسس المراكز البحثية لمعرفة أوسع بالعالم الخارجي فقط، بل ينبغي على مجلس الاستخبــارات القوميــة أن يكون أكثر ديناميكية في القضاء على القيود الموجودة بالداخل خصوصاً الإجراءات الأمنية المتكاملة.

 

خامساً: يجب أن تحظى عملية إعادة تصنيف السجلات بأولوية، إذ يجب أن يصل أعضاء المجتمع الاستخباراتي بسهولة إلى المعلومات التاريخية والحديثة حتى يمكن الوقوف على إخفاقات الماضي ونجاحاته. ولا ينبغي أن يستخدم الآخرون ذلك أكثر من الأميركيين إذ يحصلون على مزايا لدى التعامل مع واشنطن.

 

سادساً: يجب إيجاد حلول خلاقة لحل مشكلة ضعف فاعلية فريق عمل مدير الاستخبارات الوطنــية، إذ هناك اختلاط في طبيعة عمل الوكــالات وفي وجود هيكلية غير داعمة لالتزامها العمل الاستخباراتي وتنفيذ مهماته وممارسة قواعده.

 

ويبدو عمل هذا المدير مقسم بين القيادة والتنسيق، فهو يؤدي مهمات ترتبط بالعمليات والتحليل والتواصل بين خطوط الوكالات المختلفة والتطوير التكنولوجي من جانب، ويعمل كمنسق عام للمعلومات مع مراكز مكافحة الإرهاب ومنع الانتشار من جانب آخر.
     
بداية التجربة  
من واقع خبرتها العملية لمدة عام ونصف العام بهذا المكتب ترى الكاتبة نانسي بيرنكوف توكر أن تأسيسه قد أتاح التوقف عند القضايا الأشمل للمجتمع الاستخباراتي ومكامن الخلل التي ظهرت في عدم وجود المساواة بين الوكالات المختلفة في الموارد وتضارب الاختصاصات في ما بينها في بعض الحالات.

 

ولذا فقد بذل مدير الاستخبارات الوطنية العديد من البرامج الإصلاحية لتطوير مستوى الأداء التحليلي ووضع معايير تحليلية قياسية وإيجاد برامج مشتركة مرتفعة الجودة من التدريب.

 
وتعمل هذه البرامج في إطار مكتب المعايير والتكامل التحليلي. ومن الجهود التي بذلها مدير الاستخبارات الوطنية ما يلي:  العمل على تطوير مشروع دليل المصدر التحليلي. وهو ما سمح للمتخصصين بتحديد 17 ألف اسم يمكن الاستعانة بهم كمؤهلين لحل بعض المشكلات داخل المجتمع الاستخباراتي. وقد ركز هذا الدليل الضوء على أن لا شخص يعرف تحديداً كيف يعمل المحللون في الوكالات المختلفة في حالات معينة مثل أفغانستان والعراق والإرهاب.


العمل على دعم جهود تشارك المعلومات بين الأجهزة المختلفة من خلال: مكتبة الاستخبارات الوطنية الجديدة، وتحويل رئيس وحدة الموجز اليومي «المعلوماتي إلى معاون للوكالات المختلفة وليس تابعاً فقط لوكالة المخابرات المركزية CIA، وتوسيع عمل مركز المصادر المفتوحة ليشمل تقييم المواد المعلوماتية الخام وتصنيف ما لم يجر تصنيفه منها حتى الآن، واستحداث وحدة التحليل بعيد الأمد لدعم البحث المشترك وتبادل الخبرات بين الوكالات المختلفة.
 

ويسهم مكتب المعايير والتحليل التكاملي (AIS) في وضع أسس موضوعية جديدة للمحللين واستخدامهم لاقترابات بديلة بمقاييس أكثر وظيفية وحيادية، تتجنب الاعتبارات السياسية حول قضايا مختلفة ترتبط بإيران والصين والإرهاب. ويقدم المكتب أيضاً تقارير دورية للوكالات الاستخباراتية وتقرير سنوي إلى الكونغرس.


ويمكن القول إن تقرير الاستخبارات الوطنية الأخير حول برنامج إيران النووي، والذي قيَّمه مكتب المعايير، قد استند في تحليله إلى استخدام اقترابات بديلة وأعاد تعريف المفاهيم والافتراضات السابقة وأخذ بعين الاعتبار الفجوات المعلوماتية القائمة وشفافية المعلومات ومصادرها. وقد أجرى المكتب تقييمه ليس بناءً على وضع أحكام ما، ولكن أيضاً من خلال وضع معايير للثقة بهذه الأحكام.